الثلاثاء 23 محرم 1430هـ - 20 يناير2009م - العدد 14820

نجحت في تغطية غزة على طريقتها الموضوعية

العربية تقدم المهنية على الأيديولوجية في أصعب الأزمات

ممدوح المهيني

    من أول وحتى آخر رصاصة قامت قناة العربية بتغطية أحداث غزة. ولكنها مع ذلك واجهت هجوماً شديداً من قبل شخصيات سياسية وإعلامية، وكذلك تيارات فكرية. ألا يدعو ذلك للغرابة؟. لا.. لا يدعو للغرابة إذا عرفنا أن هذه التيارات والشخصيات لا تعجب بتغطية العربية ليس لأنها تفتقر للمهنية والموضوعية، ولكن على العكس بالضبط، لأنها مهنية وموضوعية، ولأنها في نهاية المطاف لا تنحاز لمواقفهم الفكرية وعواطفهم.

في الواقع.. هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تهاجم فيها قناة العربية، والتي تتصاعد مع حدوث الأزمات والحروب في محاولة لاستغلال الشحن العاطفي الجماهيري والضغط على القناة من أجل تغيير مسارها وخطها الذي تتبناه منذ سنوات. في الحرب الأمريكية على العراق تعرضت تغطية العربية لمثل هذا النقد من قبل أطراف متعددة ومتصارعة داخل وخارج العراق، وفي لبنان كذلك، وتصاعدت نبرة الهجوم عليها خلال حرب تموز، واليوم يتكرر ذات الشيء في غزة.

ولكن السؤال لماذا يأخذ الهجوم على قناة العربية هذا الشكل من الشراسة والاتفاق حتى لو كان من جهات معادية لبعض؟!. في الواقع أن الهجوم ليس تحديداً على القناة، ولكن على النهج الذي تسير عليه والذي يهدد بقلب الخارطة الإعلامية العربية جذرياً خلال السنوات القادمة وقد لاحظنا تأثيراته خلال الأعوام الماضية. تقوم قناة العربية على اتخاذ قيم ومعايير خاصة للعمل الإعلامي يعتمد على الحياد والنزاهة ونقل الصورة للمشاهد وتركه يشكل قناعاته بنفسه، ومثل هذه القيم والمعايير تحدث لأول مرة في تاريخ الإعلام التلفزيوني العربي الذي اعتمد جميعه على مدرسة واحدة هي المدرسة القديمة التي تعتمد على الطريقة التعبوية والتضليلية، والتي تهدف إلى تزييف وعي المشاهد بعرض جزء من المعلومات التي تتم صياغتها وفق أسلوب معين وإخفاء كل المعلومات الأخرى المتبقية. لذا فإن الهجوم على العربية يأتي بهذه القسوة والشراسة لأن العربية قادمة لتغير إرث طويل من الإعلام المضلل

والمنحاز الذي انتشر في العالم العربي وسيطر عليه خلال الأربعين سنة الماضية تقريباً.

أثبتت قناة العربية خلال السنوات الماضية قدرتها على تقديم إعلام يحاول أن يكون موضوعياً وحيادياً قدر الإمكان، واستضافت بعدالة جميع الشخصيات المختلفة حول قضية معينة من أجل أن يستمع المشاهد لجميع الآراء المتعارضة ويتخذ قراره بنفسه، وقد شاهدنا خلال الفترة الماضية كل الشخصيات المتمايزة تظهر على شاشة العربية وتعلن عن رأيها بحرية. لقد شاهدنا مسؤولين في حماس وفتح وإسرائيل وجميع الآراء المتضاربة من جميع الأطراف حول الهجوم الإسرائيلي الوحشي على غزة. كما شاهدنا قبل ذلك جميع الأطراف العراقية تظهر على شاشتها وتعبر عن رأيها بصراحة، وقد رأينا كذلك تغطية مميزة للعربية في السودان وأزمة دارفور نقلت صورة وافية لتفاصيل الأزمة هناك، وهناك قائمة طويلة من القضايا التي تبنت فيها العربية خط الحياد والموضوعية.

العربية تعتمد على مدرسة لا تسمح من المذيع أو مقدم البرنامج أن ينحاز في أسئلته للضيف الذي ينسجم معه فكرياً من أجل إقناع المشاهدين برأي معين. ولكنها، وكما بات ذلك أمراً واضحاً ورائعاً، هو أن المذيعين في العربية لا ينحازون مع طرف ضد آخر، ولكنهم يسألون كل الأسئلة المهمة لدى المشاهد، ومن الطبيعي أن لكل مذيع أو صحافي آراءه وانطباعاته الخاصة ولكن ذلك يحدث خلف الشاشة لا أمامها.

من الواضح أن أهداف قناة العربية غير أيديولوجية، وإنما مهنية، لذا فهي لا تتبنى رأياً واحداً وتحاول أن تفرضه على الجمهور العربي، بل على شاشتها تشاهد كل الآراء على مختلف أنواعها وهي تترك الرأي في النهاية للمشاهد الذي يجب أن يكون من استنتاج العقلي الخاص. في الواقع أن نهج قناة العربية يحترم عقل المشاهد العربي لذا هي تتركه يتحمل مسؤوليته عندما تحاول أن تكون صادقة وأقرب للحقيقة في نقل الواقع. باختصار يمكن القول أن فلسفة العربية تعتمد على نقل الواقع للمشاهد كما هو في الحقيقة، وليس كما يتمناه أو يكرهه، وبذا لا يتعرض للتضليل أو يشكل قناعات مزيفة، يبني عليها بالتالي عالماً مزيفاً.

ولكن كل ذلك لا يعجب المدرسة القديمة وأنصارها الذين يريدون أن تتخلى العربية عن هذه القيم المهنية والمحترفة لتكون منحازة ومؤدلجة وتكذب على المشاهد وهي تعتقد أنها تقدم له خدمة كبيرة. لقد عرفنا مثل هذا الإعلام الذي يعتمد على الشعارات ونقل الصورة المزيفة عن الواقع والمثيرة للسخرية (تذكروا القصة المضحكة الشهيرة لسقوط الطائرات الإسرائيلية في حرب 67بصوت المذيع أحمد سعيد)، وهي تريد أن تسمع المشاهدين رأياً واحداً من خلال استضافة نمط معين من الضيوف الذين يجدون انحيازاً واضحاً من المذيعين وعدم منح الفرصة للرأي الآخر، وهي تتبنى معايير أيديولوجية وليس مهنية واضحة، لذا فإن هذه القنوات يغلب عليها نموذج معين من الصحافيين الذين يعملون بها وينفذون توجهاتها الفكرية والسياسية. وإذا رأينا تاريخ مثل هذا الإعلام فسنجده مليئا بالتضليل والأكاذيب وحقن الناس بالقناعات المتطرفة. وفلسفتها تعتمد في النهاية، عدم نقل الواقع كما هو للمشاهد، وإنما جزء منه فقط وهو يتوافق مع عقيدة القناة والمسؤولين عليها.

لهذا فإن الحرب التي تواجهها قناة العربية هي حرب مبادئ وأفكار تستغل العواطف الجماهيرية الملتهبة من أجل دفع العربية عن مسارها الرائع الذي اختطته لنفسها. وهزيمة العربية التي تعبر عن شخصية هذا الإعلام الموضوعي هي هزيمة تعني نهاية هذا التيار الإعلامي الجديد، وعودة المدرسة القديمة لتحتل كل مساحات الرأي والتأثير التلفزيوني.

ولكن كل هذه المحاولات فشلت لأنها هاجمت أقوى ما في العربية وهي مبادئها وقيمها المهنية التي لا يمكن المجادلة حولها. السبب الآخر هو أن العربية نجحت بشكل كبير جداً بتشكيل صورة هذا الإعلام الجديد، الذي تحملت من أجله الكثير من الأذى وكونت جماهير كبيرة تريد هذا النوع من الإعلام الواقعي وليس الشعاراتي المضر. الأمر الآخر هو أن مدرسة العربية بدأت في الانتشار، وهي مرجحة في السنوات القادمة بالتكاثر لأن ما تقدمه العربية يعبر عن إعلام المستقبل الذي تتزايد فيها الحريات والمكاشفة.

بعد ثلاثين عاماً سنتذكر العربية بأنها المحطة التلفزيونية الرائدة التي تحملت الكثير من أجل تحقيق مهمة نبيلة تهدف إلى ترسيخ الإعلام الموضوعي والعقلاني الذي ازدهر بعد ذلك في العالم العربي، أما الذين هاجموها، ويريدون منها أن تتبع النهج القديم، فعلى الأرجح أننا لن نتذكرهم أبداً، لأنهم سينتهون مع موت الطريقة الغوغائية القديمة والذي لن يتأخر كثيراً.