الأحد 14 محرم 1430هـ - 11 يناير2009م - العدد 14811

مع الزمن

زواج الأطفال ومجتمعنا "المسلم"

د. هتون أجواد الفاسي

    كنتُ قد كتبتُ الأسبوع الماضي عن موضوع وجدتُ حساسية في التعرض له. فلماذا نتحسس من بعض المواضيع دون غيرها؟ لماذا يمكن أن تثير فينا قضية مثل التفريق بين الأزواج لعدم كفاءة النسب في مجتمعنا حساسية الرقيب؟ لماذا تتكاتف المحظورات عند قضايا اجتماعية دون أخرى؟ هل نحتاج إلى إجابة أم أن الإجابة في بطن السؤال؟ لكن لعل المعني بالأمر لن يجد في بطن هذا السؤال أي إجابة مما يستدعي أن نقول شيئاً صريحاً، وعندما نفعل لن يصل بأي حال نظراً لأنه سيقف في الطريق. فما الحل؟ سوف نضطر في هذه الحال إلى الالتفاف حول السؤال ومداراة الجواب حتى لا يتبق من الفكرة ما يجعلها تُمنع وبالتالي لن يتبقى ما يُفهم ليُمنع.

حسناً سوف أقف عند هنا وأنتقل إلى الموضوع الثاني الذي أردت التطرق إليه منذ الأسبوع الماضي ولم أجد له مكاناً ولعل كون الخبر نُشر أساساً ويتمثل الموضوع في حكم محكمة عنيزة حكماً نهائياً رفض فيه قاضيها دعوى أم أرادت أن تحصل لابنتها ذات الأعوام الثمانية على الطلاق من رجل خمسيني زوّجه إياها والد الطفلة المنفصل عن الوالدة (الرياض 2008/12/21) وذلك بدعوى أن الأم "ليس لها صفة" كي ترفع الدعوى، وأن الدعوى تقام من قبل الطفلة إذا بلغت. كما رفض القاضي أن تحضر الطفلة وتُسأل واكتفى بإفادة وحضور الزوج الذي قال: إنه عُرض عليه الصلح والطلاق مقابل إرجاع المهر ولكنه رفض بحجة أنه وعد الأب بأنه لن يدخل بالبنت إلا بعد عشر سنوات.

من يصدق ذلك؟ من يصدق أن هذا أمر ما زال يجري في مجتمعنا ويباركه قضاؤنا؟ إن الخبريحمل أكثر من إشكالية، فهناك شخصية الأم الاعتبارية والقانونية والشرعية التي تهتز في المحكمة وتصبح مجردة من أي صفة لها معنى وقيمة بالنسبة لأبنائها. وهناك الطفلة التي تباع وتشترى دون أن يكون لها أي حق في حضور أو سؤال ولا حتى اللجوء إلى والدتها، والقاضي الذي يتعامل مع زواج خمسيني بطفلة على أنه زواج شرعي، والقاضي الذي يأخذ بطرفة أن الزوج لن يدخل بالطفلة إلا بعد مضي عشر سنوات، أي عندما يصل الستين، وهناك المأذون الذي يزوج دون أن يأخذ موافقة الزوجة، وهناك الفحص الطبي الذي لا يبدو تقريره حاضراً في صحة العقد، وهناك الصفقات المهينة التي لا يخجل منها الرجال تبادل جسد طفلة بمال فاسد، وأترك التساؤل حول الاتفاقيات التي وقعت وصادقت عليها الدولة والتي تلتزم محاكمنا بموجبها بموادها أي مواد الاتفاقيات وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل فكما علمت فإن محاكمنا لا تلتزم باتفاقيات الدولة الموقعة والمصدقة. إن كل هذه الأطراف والمواقف بحاجة إلى مراجعة، مواجهة، مساءلة، محاسبة، وإعطاء الطفولة حقها في الحياة الكريمة.

@ مؤرخة وكاتبة سعودية