الجمعه12 محرم 1430هـ - 9 يناير2009م - العدد 14809

إشراقة

تدمير الهوية الوطنية

د. هاشم عبده هاشم

    @@ تدور في الأوساط الإعلامية هذه الأيام.. رحى "صدام" متكرر.. بين حضارة العقل ووعي الإنسان.. وبين تخلفه.. وانغلاقه.. وشروره..

@@ فما نشر منذ أيام عن التشكيك في بعض المواقع التاريخية والأثرية الإسلامية في مكة المكرمة وجدة.. يؤكد بأن في مجتمعنا من لا زال يهيمن الظلام على عقولهم.. بالرغم من الصحوة المباركة التي واجهت في السنوات الأخيرة هذا النمط "المتخلف" من التفكير.. وقدمته للمحاكمة العقلية.. بعد أن كان تناوله ضرباً من المستحيلات.. وبعضاً من المحرمات.. جراء ما أضفاه (صانعوه) على آرائهم.. واجتهاداتهم الضارة.. من قداسة..

@@ ففي ظل هذا الفكر المتزمت.. فقدت المملكة في السابق الكثير من المواقع والآثار والمآثر التاريخية إلى الأبد.. وبذلك فقدت جزءاً من هويتها التاريخية والإنسانية.. في وقت نجد فيه العالم حفياً بما هو أقل منها قيمة.. وحضارة.. وتأكيد وجود..

@@ فالقول بأن "غار حراء" و"جبل النور" و"جبل الرحمة" و"جبل ثور" و"مسجد البيعة" في مكة المكرمة.. أو البقيع في المدينة المنورة.. أو مقبرة أمنا حواء في جدة.. هي أماكن تجب إزالتها لأنها أصبحت مواقع تبرك.. وممارسات شركية.. هذا القول.. مع كل التقدير لمن يتجه إليه.. أو يُطالب به، يمثل نكسة عظيمة للعقل الإنساني.. وللحضارة الإنسانية.. وللتاريخ الإنساني..

@@ فهو يرسخ ثقافة غير واعية بالقيم الإنسانية والحضارية والتاريخية التي تُؤصّل للأمم والشعوب..

@@ كما انه يعمق الفجوة الثقافية بين فئات المجتمع الواحد.. عندما يعطي الدلالة بأن هناك من يجرؤون على الحقائق.. ويذهبون إلى حد التحليل والتحريم لأشياء صحيحة.. وغير مشكوك فيها.. لمجرد أنهم يرون ذلك.. أو يعتقدون به..

@@ ولا شك أن وجود هذا النمط من التفكير في أي مؤسسة من مؤسسات التربية والتعليم أو الدعوة والإرشاد أو المجتمع العام.. دليل على أن مجتمعنا ما زال يعاني.. وسيظل يرسف تحت أغلال معطلة للوعي.. وقاتلة للتفكير الموضوعي الجاد.. ومشككة في قدرة هذا المجتمع على تصحيح الأوضاع الخاطئة بعد أن أصبح لدينا ملايين المتعلمين والمؤهلين والخبراء والمثقفين والدعاة الخيرين.. بحمد الله ومنته.

@@ وإذا كانت هناك ممارسات خاطئة لبعض الحجاج والزوار في هذه المواقع التاريخية العظيمة أو نحوها.. فإن ذلك يمكن معالجته وتصحيحه.. وليس الذهاب إلى حد الإزالة لتلك المواقع المهمة.. أو حجبها عن الرؤية.. أو منع الوقوف عليها كمعالم تاريخية يُعتز بها..

@@ إن المطلوب الآن.. ليس فقط حماية ورعاية هذه الأماكن وزيادة الاهتمام بها.. ودراستها.. وتوثيقها

@@ المطلوب الآن هو:

@@ إصدار وثيقة علمية حكومية معتمدة من قبل الدولة.. تحصر هذه المآثر والآثار والمواقع التاريخية والحضارية.. وتحميها من العبث والامتهان والتعدي.. وتبتعد بها عن الاجتهادات الضارة.. وتجعل منها إرثاً تتوارثه الأجيال.. وتحافظ عليه.. وتنتمي إليه.. وتعتز به.. وتُذكر وتتميز به..

@@ كما أن المطلوب هو:

@@ الاعتراف الرسمي والصريح والمباشر بالقيمة العلمية والتاريخية لهذه المآثر وتلك الآثار.. وجعلها جزءاً من تفكير الأجيال.. وبعضاً من مناهجهم الدراسية.. ومن تشربهم للتاريخ المتصل بوطنهم الغالي على مر العصور وكذلك جعلها جزءاً من الفكر السياحي والسياسات الممنهجة والتعريف بها في العالم كله.. واعتمادها في المنظومات الدولية الثقافية المعتمدة كمواقع لا مثيل لها.. ولا شبيه على الإطلاق.. في هذا العالم.

@@ هكذا تتعامل الدول والشعوب مع مآثرها وآثارها..

@@ وهكذا تضعها في المنزلة التي تستحقها..

@@ وهكذا تقدم نفسها من خلالها كدول وشعوب ذات حضارة..

@@ وهكذا يجب أن نكون أمام العالم..

@@ ومن باب أولى أن نكون كذلك أمام أنفسنا.. ومن أجل أجيالنا..

@@ ونحمد الله سبحانه وتعالى أن جعلنا بلد صاحب أعظم رسالة.. وأوجد فيها من القيم والأخلاقيات والمآثر والآثار ما يدعو للاعتزاز وليس الإزالة.. والطمس.. والتدمير..

@@ ونحمد الله سبحانه وتعالى أن جعل في هذه البلاد من العلماء.. والمفكرين.. والقادة والعقلاء.. من يحافظ على العقيدة السماوية خالصة من كل شائبة ويحفظ للإنسان وللوطن وجوده الكبير.. وتاريخه المشرف والمضيء..

@@@

ضمير مستتر:

@@ (بعض الأخطاء تكبر وتتعاظم إذا لم تجد من يجهضها في مهدها) .