الخميس11 محرم 1430هـ - 8 يناير2009م - العدد 14808

لمحات

طلعت الحب والصدق والوفاء

سعد الحميدين

    لم يكن الزميل على مدى ثلاثة عقود زميل عمل فقط بل كان أخاً، وصديقاً ورفيق درب ممتد على مسافة زمنية تلونت فيها الأحداث والصور وهو في تفاعل مستمر مع التحولات يرقاها ويسبقها في سبيل أن يكون على قدر المسؤولية التي أُنيطت به عن قناعة ممن أوكل إليه المهام لأنه وجد فيه الكفؤ الذي يعي المسؤولية ويقدرها، فكان مثال المثابر على العمل بحب وشغف وتفان جعل منه دائرة عمل مكتملة التلاحم من ناحية الجودة والاتقان في تناول الأحداث وتكامل الممارسة في سبيل عمل تام يوجب الاحترام والإشادة من المعني والآخذ، وذلك لأنه كان يراعي الأمانة في العمل تلك الأمانة التي ولدت معه، فكان الصادق الذي لا يعرف الزيف والمغالطة أو التدليس، بل كان اطار عمله وتعامله هو الصدق والوفاء، حيث كان المحب الوفي، إذ تجد في حديثه كما في تعامله، الحب، والوفاء، فهو محب للوفاء والصدق لأنه وفيَّ بمعنى الكلمة، وفي صلاته مع الناس ومحب لهم، فبادلوه الحب والوفاء حتى الذين حاولوا أن يختلفوا معه لم يبادلهم كما تصوروا إلا بالحب والتقبل بروح سمحة ما كان منهم، فما كان منهم إلا أن تراجعوا واعتذروا منه لأنه أهل للاحترام حيث يقسر من أراد به السوء أن يعدل ويرجع، لأنه لم يجد إلا رجلاً بعيداً عن المشاحنات والملاسنات والنق والتحدث عن الآخرين ومسائل الآخرين إلا بما ينفع ويساعد ويساند، لقد تعرض لمواقف مختلفة ولكنه هو.. هو الرجل الوفي الصادق.

لهذا كان محبوباً من الجميع لأنه أحب الجميع فأحبوه، فهو صديق الجميع ومحب الجميع، والمحبوب من الجميع وكل هذا تأتى من جراء حسن تعامله مع الناس والذين كان يرى نفسه فيهم على مبدأ أحب للآخر ما تحب أن يعاملك به، فهو يعي ويدرك بحسه الإنساني أن الإنسان مهما كان من القساوة والعنف يلين عند العمل الطيب فكان تعامله الطيب والنقاء والصفاء والصراحة، وحب الخير للناس، لقد كان في حيرة شديدة وكان يتألم حسرة على زملاء كان معهم سنوات حينما تقرر إيقاف جريدة (رياض ديلي) وقد قال لي حينها بالحرف الواحد: "أنا لا أتألم على حالي لأن عملي مضمون ولكن المساكين الذين يعملون وخصوصاً من عندهم أولاد وكبار السن أين يذهب هؤلاء والله مصيبة" وقد عمل الكثير من أجل بقاء الكثيرين منهم بالتنسيق مع المسؤولين في المؤسسة حيث أوجدت لهم الأماكن المناسبة حسب القدرات، فهو لم يتقاعس عن العمل في سبيل الآخرين ومنافعهم، وفي العمل كان المتحرك أبداً، يبتكر، ويجدد، ويخطط، ويقترح، ويتحرك متنقلاً في كل مكان، حتى الرحلات العالمية كان السباق حيث كانت انجازاته العملية في التغطيات والمقابلات العالمية والسبق الصحفي المتميز، وحتى في أيام مرضه كان المثابر والحاضر، والمسافر في سبيل العمل الذي نذر نفسه له وأخلص له حتى آخر أيامه، وقد نوه بذلك كافة الزملاء، وما قيل عنه هو جزء من أجزاء يعرفها كل من عايشها.

رحل صديق صدوق صادق الوعد منصف، على غرار قول الشاعر:

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق صدوق صادق الوعد منصفا

فكل تلك الصفات كانت مجتمعة في شخص الراحل الغالي الذي لن أنساه طول حياتي فصورته تمثل أمامي في كل مكان والكلمات التي كنا نتبادلها معاً في الجد والهزل لازال يرن صداها في أذني وتتجسد معانيها في خيالي وكأننا لما نزل نتحدث عن مواضيع شتى تتسم بالصراحة والصدق والمرح لأنه يجبرك على أن تبادله الصدق والوفاء، فرحم الله طلعت ذا العقل الرزين واللفظة المهذبة والحب والصدق والوفاء.