من أين أبدأ وإلى أين أنتهي..
فحياة المرحوم طلعت وفا سجل متعدد الصفحات المشرقة.. سجل أجزم أنه من الصعب أن تتوفر إيجابياته ومثالياته في حياة شخص واحد.. فهو عاشق المثاليات الصعبة في كل مراحل حياته.. الصحفي الذي أعطى نموذجاً لكيفية غريبة لا يعرف فيها نفسه إلا أنه صحفي ميدان، فلا يربط قدراته بأهمية منصب أو مكسب منافسة، وإنما أداء عمل لا يتوقف، حتى أنه نُشر له - رحمه الله - قبل أن يتوفى بعشرة أيام تقريباً خبر سياسي مهم على الصفحة الأولى..
لم يهتم بالمنصب، فهو بعد إلغاء صدور (الرياض ديلي) التي كان يرأس تحريرها لم يبحث عن أي منصب في أي مكان آخر، وفي الوقت نفسه لم يشترط على ميدان عمله أن تكون له صفة تعويض بمسمى كبير.. وقد رفض أن يكون نائباً لرئيس التحرير قائلاً: هذه مهمة في غالبها إدارية وصحفية وهو يريد مهمة صحفية فقط.. فعُرف بأنه مستشار تحرير دون أن يطلب ذلك مع استمراره في عضوية مجلس الإدارة..
من الإهدار لجوانب مضيئة وعجيبة في شخصه أن يقصر الحديث عنه في مجال عمله الصحفي رغم أنه - وأقولها بكل صدق - لم ينذر نفسه أي صحفي لعمل ميداني متواصل ومتنوع مثلما وهب طلعت قدراته لميدان الصحافة..
إنه رجل في صفاته الشخصية، في ميادين مثالية، من النادر أن يتوفر تكاثرها في نفسية وسلوك وعواطف نزاهة شخص واحد مثلما هي مرئية الوضوح في تكوينه مشرقة مثلما هي في ذاته..
إخلاصه عائلياً واجتماعياً ومهنياً نادر..
نزاهته ومثاليته الأخلاقية نادرة..
عايشته سنوات طويلة، ولا أذكر أنني اعترضت له على فكرة أو ممارسة، بل أجده دائماً بجانبي في أكثر مما أريده من حضور، وعلاقة العمل بيننا أشبه ما تكون قائمة على إيماءات متبادلة، لأنه لم يكن في أي يوم بحاجة لمن يوجهه أو من يعدل له خطأً عارضاً، حيث أعطته كفاءته وثقافته مناعة الوقوع في الخطأ..
لقد عايشت تقلبات صحته منذ عام ونصف العام تقريباً، وبقدر ما كنت أتألم كلما لاحظت مرحلة انحدار فقد كان هو يملؤني بالأمل فيما كان عليه من تفاؤل..
قد لا يعرف كثيرون أنه لم يتوقف عن التنقل بين العواصم أداءً لمهماته الصحفية رغم مرضه، ولم يفوت أي مناسبة دولية دون أن يكون أبرز حاضريها الإعلاميين.. وحاولت في الأشهر الأخيرة أن أقنعه بالتوقف وكسب فرص الراحة، فقال لي إن العمل المتواصل هو جزء من علاجه وأن الطب نصح بذلك.. أعرف أن العمل ليس دواءً، لكنهم أرادوا إشغاله بما قد يبدد همومه ويرفع معنوياته..
طلعت لم يكن زميلاً.. ولا موظفاً.. لكنه واحد من أبرز من خلقوا حداثة جريدة "الرياض" وبالتالي نجاحها.. نحن في مكاتبنا والطرقات بينها بشر.. نتحرك.. ونقاوم وجود سيئة تلحق بنا ونحاول اللحاق بحسنة تحسب لنا ويجمعنا الآن حزن عميق في نفوسنا بعد أن غادرنا "الملاك" فهو كان فعلاً طلعت "فريد وفا واستقامة ونزاهة وإخلاص"..