أنت تفتقد شخصاً ما.. قريباً لدرجة الالتصاق.. وبعيداً حد الاختفاء منذ أن واراه التراب.. ترغب كثيراً في رؤيته، الجلوس معه، السؤال عن أحواله.. تخبره أشياء لم تقلها له وربما تحاول أن تتعامل معه بشكل مختلف.. لذا قد تقرأ مطولاً في استحضار الأرواح.. وقد تجرب ذلك أيضاً.. لكنك لن تصدق ما يحدث إلا إن كنت لم تلتحق بالمدرسة بعد!

تحضير الأرواح هو محاولة الاتصال بأرواح الموتى عبر وسيط - في الغالب - .. وهي فكرة غامضة وغريبة ومحفزة، الهدف منها الكشف عن الغيبيات، الغريب أن هذه الفكرة بدأت في آخر القارات اكتشافاً.. في أمريكا سنة 1848م تحديداً في مدينة (هايدسفيل) في نيويورك.. حين انتقلت عائلة (فوكس) إلى منزل جديد.. هذه العائلة تتكون من الأب (جون) وابنتيه (مارجريت) و(كاثرين)، وبعد 3شهور أخبروا الجميع بأن المنزل مسكون وأن الأرواح الغاضبة تطرق على الجدران وتمزق الأثاث، وقررت العائلة أن تغادر لولا أن (كاثرين) وقفت وسط المنزل وأصوات التحطيم تتعالى حولها لتتحدى الشبح بأن يكرر طرقاتها على المائدة.. العجيب أن صوت التحطيم توقف وبدأ الشبح في تقليد عدد الطرءقات!.. طبعاً اعتبر هذا أول اتصال ناجح بالأرواح وأعلن السيد (ويليام وسلر) جار العائلة أنه توصل إلى معرفة الشبح وهو (تشارلز روزا) الذي قتله اللصوص ودفنوا جثته تحت المنزل، وبالفعل عندما غادرت العائلة وشرع العمال في هدم المنزل عثروا على هيكل عظمي لرجل!.

جرب شقيق الفتاتين استخدام الحروف كوسيلة للاتصال بالشبح ونجح ليمليه الشبح الرسالة التالية: "أصدقائي الأعزاء.. إنها بداية جديدة واتصالكم بي حقيقة لا يجب عليكم انكارها!" وقد كان هذا سبباً لعقد أول اجتماع لرابطة تحضير الأرواح في نيويورك في العام 1849م، أما الحرب الأهلية والحرب العالمية الأولى فكان لهما أثرهما الكبير في انتشار هذه الفكرة، حيث لم تجد العائلات القلقة أمامها سوى اللجوء إلى روابط تحضير الأرواح لمعرفة أخبار ذويها وإن كانوا على قيد الحياة أم لا!

خلال ذلك انتشرت الفكرة في أوروبا وتحولت إلى تخصص يدرس في الجامعات كما تفعل القارة العجوز دائماً.. وحدث ذات الاهتمام في الوطن العربي على يد الأستاذ أحمد فهمي أبو الخير أمين عام الجمعية المصرية للبحوث الروحية وأصدرت مجلة باسم (عالم الروح).

وكما كل الأشياء قابلة للتحوير يقول الشغوفون بهذه الفكرة إن تحضير الأرواح علم وفن راق يقوم على أسس علمية مدروسة وأن طبيعة هذا العلم هي السيطرة على الأرواح بعد موتها واستحضارها في أي وقت لتخبرنا عن حالها في عالم الأرواح الذي تعيش فيه.. ويعتقدون أيضاً بتناسخ الأرواح بمعنى أن روح الإنسان بعد موته تحل في شخص آخر.. (ديك أكورا) وسيط روحي يعتقد بأن روحه انتقلت إليه من طفل أثيوبي قال لجريدة الديلي اكسبريس البريطانية: "نحن نعيش في عالم مضطرب.. والناس ترغب دائماً في معرفة ما بعد الحياة.. وهذا ممكن إن هم تعلموا التركيز وفتح ذلك الجزء المغلق من الذات، حينها يمكن التواصل مع الأرواح!" ويضيف: "إن جلسات تحضير الأرواح تعتبر شكلاً مقبولاً للاتصال ولكن أعتقد بأنها ليست ضرورية.. لأنه بالإمكان الاتصال بهم دون أدوات!".

ولأن الجنون يرتدي بزة العالم أحياناً فقد أصبحت (السلة) أشهر الطرق المستخدمة في تحضير الأرواح، وتعتمد على أن يمسك اثنان السلة بأطراف أصابعهما بعد أن يثبتا قلماً في مقدمتها ويعلقا ورقة على الجدار وإذا تحركت السلة يكتب القلم على هذه الورقة المعلقة، بالإضافة إلى ال بلانشيت Palnchitte الذي اخترعه كلّ من (اليجا بوند وتشارلز كينارد وويليام فولد) وهو عبارة عن لوح محفورة عليه الأرقام والحروف وكلمتا (YES) و(NO) وفي وسط هذا اللوح مؤشر على شكل قلب يتحرك بطريقة معينة على أن تكون حركته هي استجابة لروح المتصل.تشارلز كينارد طور هذا اللوح وأسماه (الويجا Ouija) زاعماً أنها كلمة فرعونية تعني الحظ السعيد وأصبحت هذه الألواح هي ألواح تحضير الأرواح الرسمية وقد انتشر استخدامها لدرجة أن طلاب وطالبات الجامعات السعودية كانوا يجربونها.. تقول (منى الصالح): "في فترة ما.. كان من الشائع بين الطالبات استخدام الويجا في أحد المباني القديمة في الجامعة وذلك لمعرفة المستقبل والاطلاع على أسئلة الامتحان!".

المثير لاستفهامات عدة أن الولع بالغيبيات والإيمان بأشياء خرافية لا ينتشر إلا في المجتمعات التي فقدت نصيبها من العلم.. فكيف يعتنقها المثقفون والساسة؟! ولمحاولة فهم ذلك يبدو أن الثقافة لا تمنح أصحابها حصانة فكرية ضد تصديق بعض الأفكار اللامعقولة.. فالكثير من الأدباء والسياسيين كانوا يمارسون جلسات تحضير الأرواح في بيوتهم.. أو تحت سقوف بعيدة وخانقة.. ومن الشائعات التي تداولها الناس أن الشاعر (أحمد شوقي) قد أملى على وسيطة من المنصورة تدعى (مدام روفائيل) مسرحية شعرية كاملة تتكون من ألف بيت اسمها (عروس فرعون)، وأن مجموعة من الشعراء استحضروا روح المتنبي في مصر، وأن برنارد شو كتب مسرحية وهو في العالم الآخر، وأن بعض السياسيين المصريين كانوا يستحضرون روح جمال عبدالناصر ليأخذوا بمشورته!

وكقراءة واقعية يُعتقد بأن الجنون والبحث عن الاختلاف هما المحرّضان الأساسيان لأن يرتكب المثقفون فعل الجهلة.. وتحقيق أهداف تتعلق بالسلطة كانت السبب الأول لأهل السياسة.. غير أنهم في الأخير استنزفوا وقتهم ليفيقوا على وهم!.

(ويليام كاربنتر) الذي استفزه الأمر فاستخدم أدواته العلمية في البحث.. أعلن بأن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة يكمن في (التحريك اللاارادي Ideomotor) وهي تعني أن العقل الباطن وتحت تأثير عواطف معينة قادر على أن يحرك عضلات الجسم حركة لا إرادية لا يشعر صاحبها بأنه يتحكم فيها وبالتالي يبدو الأمر وكأن الروح هي التي تحرك المؤشر أو القلم.. ومما يؤكد هذا التفسير هو أن استحضار الروح لا يتم إلا وسط أضواء خافتة ومصادر مختلفة للصوت مما لا يتيح للشخص أن يتبين حقيقة الأشياء! بعد ذلك اكتشفت القدرات العقلية الفائقة أو استخدام العقل للتحريك Telekinesis ثم أتحفنا علم النفس بتحليل مفاده أن الإنسان محبط وتعيس يريد أن يكسر ملل حياته بأي شيء.. ولوح الويجا يقدم له هذه الرفاهية المأمونة!

كما ظهر العديد من الأفلام التي تدحض مثل هذه الفكرة من أشهرها فيلم (Witchboard) بأجزائه الثلاثة. هذه الأرواح التي خذلها الصعود ربما فاصبحت تهيم في الأرض.. لم تتصل بها سكوتلانديارد لتعرف هوية القتلة والمفجرين.. ولا CIA لتتأكد من اتهاماتها للقاعدة..!

لذا دعونا نجرب الشفاء من الجهل.. فلو كان هذا الأمر حقيقة.. لعرفنا هل انتحرت سعاد حسني أم قتلت؟!