الثلاثاء 2 محرم 1430هـ - 30 ديسمبر2008م - العدد 14799

ايقاع الحرف

هل المرض النفسي وراء الجريمة؟

ناصر الحجيلان

    استكمالاً لما سبق الحديث عنه في زاوية سابقة عن علاقة المرض النفسي والعقلي بعدد من الجرائم التي وقعت في مجتمعنا مؤخرًا والتي أدهشت الرأي العام، كقطع رأس طفل وحز رقبة البنت ودهس الزوجة وغيرها من الجرائم التي هزت نفوس الناس وأفجعتهم، يأتي الحديث اليوم عن الاحتمال الآخر المتعلّق بادّعاء وجود مرض نفسي بالمجرم للتخفيف من حدة الجريمة على المتلقي.

وقبل الدخول في الموضوع، لابد من التوضيح أننا لن نكون أمام مناقشة الحدث الشنيع وردة الفعل المناسبة له، فقد عُرض ذلك في اللقاء السابق في هذه الزاوية؛ ولكننا سنكون في مواجهة مع الثقافة ممثلة بأهلها حينما تتعامل مع سلوك يبدو شاذًا عليها، إذ يتبادر إلى الذهن في مثل تلك الحالات سؤال حول السبب وراء استخدام تلك المبررات للتخفيف من وقع الجريمة، فهل وصفُ المجرم بصفات أخلاقية غير سويّة يجعل الناس تتقبل السلوك منه ومن هو مثله؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة تبرئة العقل والعقلاء من هذا النوع من السلوك الذي يعتبر خارج منظومتهم الأخلاقية؟ أم أن ذلك يأتي في سياق البحث عن عذر لسلوك شاذ على مجتمع محافظ له نمط يكاد يكون ثابتًا من التصرفات؟

وأيًا ما كان الأمر، فإن العقل غير الواعي للمحرر أو للناقل أو للمخبر يعمل عمله في صياغة الخبر وتقديم تفاصيله لنا وفق رؤيته الشخصية. وفي بعض الأخبار ليس من وسيلة لمعرفة سمات المجرم العقلية والنفسية قبل وقوع الجريمة، فكيف يحكم عليه بصفة معينة مجهولة عن أقرب الناس له؟ بل إن بعضهم يوصف بحسن السيرة والسلوك قبل الجريمة، فكيف تربط جريمته بخلل عقلي أو نفسي؟ وليس من سبيل لذلك سوى التخمين الذي تجود به مخيلة الناس لوصف عمل غير مألوف على البيئة وليس له تكرار في التجربة التي مروا بها.

هنا نجد أن المخبر أو الراوي ينقل لنا الحدث بعد أن مرّ عبر جهازه العقلي وتلقاه بطريقة أعادت صياغة مجريات الحدث ومحتواه بكيفية ربما تختلف فيما لو رواه شخص آخر من خارج المجتمع. وهذا مايلاحظ في الأخبار التي ينقلها الغربيون عن حدث حصل في المجتمع حينما نقارنها بما نقله أبناء المجتمع. مما يعني أن الراوي أدخل عناصر معينة وحذف عناصر أخرى من الحدث لكي يخرجه لنا بشكل معين كما ارتسم في وعيه. ولابد من التوضيح هنا، أن الحديث هنا عن العمل العقلي الذي يحصل دون تعمّد أو قصد من الراوي، ولكنه يأتي نتيجة خبرات متراكمة ورؤية عميقة مترسخة في اللاوعي.

ولو فكرنا في هذه الرؤية التي تحاول التخفيف من الحدث بربطه بسبب معين أو بعنصر خارجي كالخلل العقلي أو النفسي، لوجدنا أن لها جذورًا في الثقافة التي تحاول حماية كيانها الكلي من التمزّق بالمحافظة على إطار منسجم من الاعتبارات التي تسير وفق نمط ثابت. وفي هذا الصدد، نجد أن الشخص الذي نحر ابنته أو ذاك الذي دهس زوجته أو غيرهما إنما يمثل فيها المجرم سلوكًا خارج منظومة المجتمع، ولهذا يأتي إخراج سلوكه الإجرامي من السلوك المعتاد من خلال التأكيد على أنه شخص لايدخل في التصنيف الاجتماعي للناس لأنه ببساطة مريض نفسي أو عقلي ويستحق أن يكون خارج المنظومة.

وهذه رؤية العرب القدماء لأخطاء الرجال من قومهم، ففي أهم كتب التراث العربي وهو كتاب "أمثال العرب" للمفضل الضبي الذي سجل مآثر العرب وقيمهم وشيمهم وبعض تاريخهم وآدابهم، ينسب الخطأ الأخلاقي -كالزنا مثلا- لصاحبه إن كان رجلا أو امرأة، فإن كانت امرأة صرّح باسمها واسم أخيها وعشيرتها. أما إن كان الخطأ الأخلاقي -الذي لايغتفر- صادرًا من رجل، فإنه يربط ذلك بعوامل أخرى كأن يكون الرجل مخبولا (بلا عقل) أو أنه غرر به فدُس في شرابه خمر أسكره حتى فقد عقله. والمفضل الضبي يمثل منطق الثقافة العربية التي ترى أنها ثقافة قائمة على قيم ومثاليات يؤسسها ويبني دعائمها ويحرسها ويحميها الرجال، وعليهم أن يكونوا في المكانة التي تنهض بهذه الثقافة.

ولنا أن نسأل إن كان استخدام المرض النفسي يدخل ضمن الغطاء الذي تحاول الثقافة الاحتماء به ضد أي خلل يقوم به فرد أو أفراد يمكن أن يهدد تماسكها. وهو سؤال لايدخل ضمن مساءلة العمل ذاته بوصفه جريمة مؤذية ولكنه يحاول التعرف على الطريقة التي تتلقى فيها الثقافة السلوك الشاذ الذي يقع في المجتمع وكيف تصوغه وتفهمه. وهو سؤال قائم ويحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي لربط الأنماط السلوكية الشاذة وتسجيل ردود الأفعال التي تصاحبها بشكل تكراري.