استكمالاً لما سبق الحديث عنه في زاوية سابقة عن علاقة المرض النفسي والعقلي بعدد من الجرائم التي وقعت في مجتمعنا مؤخرًا والتي أدهشت الرأي العام، كقطع رأس طفل وحز رقبة البنت ودهس الزوجة وغيرها من الجرائم التي هزت نفوس الناس وأفجعتهم، يأتي الحديث اليوم عن الاحتمال الآخر المتعلّق بادّعاء وجود مرض نفسي بالمجرم للتخفيف من حدة الجريمة على المتلقي.
وقبل الدخول في الموضوع، لابد من التوضيح أننا لن نكون أمام مناقشة الحدث الشنيع وردة الفعل المناسبة له، فقد عُرض ذلك في اللقاء السابق في هذه الزاوية؛ ولكننا سنكون في مواجهة مع الثقافة ممثلة بأهلها حينما تتعامل مع سلوك يبدو شاذًا عليها، إذ يتبادر إلى الذهن في مثل تلك الحالات سؤال حول السبب وراء استخدام تلك المبررات للتخفيف من وقع الجريمة، فهل وصفُ المجرم بصفات أخلاقية غير سويّة يجعل الناس تتقبل السلوك منه ومن هو مثله؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة تبرئة العقل والعقلاء من هذا النوع من السلوك الذي يعتبر خارج منظومتهم الأخلاقية؟ أم أن ذلك يأتي في سياق البحث عن عذر لسلوك شاذ على مجتمع محافظ له نمط يكاد يكون ثابتًا من التصرفات؟
وأيًا ما كان الأمر، فإن العقل غير الواعي للمحرر أو للناقل أو للمخبر يعمل عمله في صياغة الخبر وتقديم تفاصيله لنا وفق رؤيته الشخصية. وفي بعض الأخبار ليس من وسيلة لمعرفة سمات المجرم العقلية والنفسية قبل وقوع الجريمة، فكيف يحكم عليه بصفة معينة مجهولة عن أقرب الناس له؟ بل إن بعضهم يوصف بحسن السيرة والسلوك قبل الجريمة، فكيف تربط جريمته بخلل عقلي أو نفسي؟ وليس من سبيل لذلك سوى التخمين الذي تجود به مخيلة الناس لوصف عمل غير مألوف على البيئة وليس له تكرار في التجربة التي مروا بها.
هنا نجد أن المخبر أو الراوي ينقل لنا الحدث بعد أن مرّ عبر جهازه العقلي وتلقاه بطريقة أعادت صياغة مجريات الحدث ومحتواه بكيفية ربما تختلف فيما لو رواه شخص آخر من خارج المجتمع. وهذا مايلاحظ في الأخبار التي ينقلها الغربيون عن حدث حصل في المجتمع حينما نقارنها بما نقله أبناء المجتمع. مما يعني أن الراوي أدخل عناصر معينة وحذف عناصر أخرى من الحدث لكي يخرجه لنا بشكل معين كما ارتسم في وعيه. ولابد من التوضيح هنا، أن الحديث هنا عن العمل العقلي الذي يحصل دون تعمّد أو قصد من الراوي، ولكنه يأتي نتيجة خبرات متراكمة ورؤية عميقة مترسخة في اللاوعي.
ولو فكرنا في هذه الرؤية التي تحاول التخفيف من الحدث بربطه بسبب معين أو بعنصر خارجي كالخلل العقلي أو النفسي، لوجدنا أن لها جذورًا في الثقافة التي تحاول حماية كيانها الكلي من التمزّق بالمحافظة على إطار منسجم من الاعتبارات التي تسير وفق نمط ثابت. وفي هذا الصدد، نجد أن الشخص الذي نحر ابنته أو ذاك الذي دهس زوجته أو غيرهما إنما يمثل فيها المجرم سلوكًا خارج منظومة المجتمع، ولهذا يأتي إخراج سلوكه الإجرامي من السلوك المعتاد من خلال التأكيد على أنه شخص لايدخل في التصنيف الاجتماعي للناس لأنه ببساطة مريض نفسي أو عقلي ويستحق أن يكون خارج المنظومة.
وهذه رؤية العرب القدماء لأخطاء الرجال من قومهم، ففي أهم كتب التراث العربي وهو كتاب "أمثال العرب" للمفضل الضبي الذي سجل مآثر العرب وقيمهم وشيمهم وبعض تاريخهم وآدابهم، ينسب الخطأ الأخلاقي -كالزنا مثلا- لصاحبه إن كان رجلا أو امرأة، فإن كانت امرأة صرّح باسمها واسم أخيها وعشيرتها. أما إن كان الخطأ الأخلاقي -الذي لايغتفر- صادرًا من رجل، فإنه يربط ذلك بعوامل أخرى كأن يكون الرجل مخبولا (بلا عقل) أو أنه غرر به فدُس في شرابه خمر أسكره حتى فقد عقله. والمفضل الضبي يمثل منطق الثقافة العربية التي ترى أنها ثقافة قائمة على قيم ومثاليات يؤسسها ويبني دعائمها ويحرسها ويحميها الرجال، وعليهم أن يكونوا في المكانة التي تنهض بهذه الثقافة.
ولنا أن نسأل إن كان استخدام المرض النفسي يدخل ضمن الغطاء الذي تحاول الثقافة الاحتماء به ضد أي خلل يقوم به فرد أو أفراد يمكن أن يهدد تماسكها. وهو سؤال لايدخل ضمن مساءلة العمل ذاته بوصفه جريمة مؤذية ولكنه يحاول التعرف على الطريقة التي تتلقى فيها الثقافة السلوك الشاذ الذي يقع في المجتمع وكيف تصوغه وتفهمه. وهو سؤال قائم ويحتاج إلى مزيد من البحث والتقصي لربط الأنماط السلوكية الشاذة وتسجيل ردود الأفعال التي تصاحبها بشكل تكراري.
سجل معنا بالضغط هنا
1
نعم التبرير موجود بدون قصدية وبدون وعي لكنه موجود عند الناس وخاصة كما تفضلت رغبة في تماسك المجتمع
ولكن الصراحة وتشخيص المشكلة هي باب الحل الصحيح
ولك التحية
أحمد العنزي (زائر)
UP 0 DOWN08:04 صباحاً 2008/12/30
2
"ففي أهم كتب التراث العربي وهو كتاب "أمثال العرب" للمفضل الضبي الذي سجل مآثر العرب وقيمهم وشيمهم وبعض تاريخهم وآدابهم، ينسب الخطأ الأخلاقي -كالزنا مثلا- لصاحبه إن كان رجلا أو امرأة، فإن كانت امرأة صرّح باسمها واسم أخيها وعشيرتها. أما إن كان الخطأ الأخلاقي -الذي لايغتفر- صادرًا من رجل، فإنه يربط ذلك بعوامل أخرى كأن يكون الرجل مخبولا (بلا عقل) أو أنه غرر به فدُس في شرابه خمر أسكره حتى فقد عقله "
هنا يتبين لنا عمق جذور كراهية و ازدراء الأنثى في العقلية العربية!!!بل ربما الكروموسومات!
شكرا
تفيده.. الكسيره (زائر)
UP 0 DOWN09:04 صباحاً 2008/12/30
3
من المفترض على المحرر أو المخبر أو حتى الناقل (الراوي) الذي لا يرتبط بواجبات وأخلاق مهنية حيال الحدث أن ينقله بتفاصيل ومعطيات الواقعة فقط وبتجرد تام دون إضافات توحي للمتلقي برده فعل معينة معدل لها مسبقاً سواء بإيعاز اللاوعي لدية أو ألوعي، ندرة التجرد والحيادية نعاني منها بشكل كبير واضح.
أسفار من أيام الانتظار (زائر)
UP 0 DOWN09:52 صباحاً 2008/12/30
4
في الوقت الذي كان يكتب بعض مآثر العرب في كتاب "أمثال العرب" كانت أوروبا تعدم السارق سواء كان بالشنق أو قطع الرأس دون محاكمة أو دفاع في محفل يشاهده الجميع نساء ورجال وأطفال وقد تدار بعض الكؤوس بهذه المناسبة.
جاسم (زائر)
UP 0 DOWN10:11 صباحاً 2008/12/30
5
اولا: اعتقد ان تحريرالموضوع وطريقة اعدادة مهمه وغالبا مايكون فيها تحيز للضحيه ويكون عبر اضافة مايوحي بمرض نفسي لدى الفاعل او المجرم.
ثانيا: ارى ان سبب الأفعال الاجراميه العاجله المذكوره هو الغضب الشديد وعدم القدرة على التحكم في النفس والتركيز على الأنتقام دون النظر للعواقب.
ثالثا: ارى ان التربية والتعليم لها دور في كبح مثل هذه الأمور والتغلب عليها بالتروي والحلم ومعرفة حل المشكله او الجرأه على استشارة من يعين على حلها وتطبيق هذا الحل في الواقع قبل تفاقم المشكله. والوصول لنتائج مدمره.
واحد هلالي (زائر)
UP 0 DOWN10:17 صباحاً 2008/12/30
6
انا مافهمت المجتمع والبيئة هي الى تنتج الجريمة ولا الخلل العقلي والوراثة ؟؟؟
فيصل القحطاني (زائر)
UP 0 DOWN10:23 صباحاً 2008/12/30
7
ياعز تالها هالحرمة دايم مظلومة وذبنها ذنبين :(
أم منيرة (زائر)
UP 0 DOWN10:26 صباحاً 2008/12/30
8
هل يولد المجرم مجرماً ؟
قام الباحث الفرنسي " ترويا " بدراسة شجرة عائلة الأديب ديستيوفسكي فوجد فيها تعاقب مجرمين وقديسين فكان بعض أسلافه قديسين والبعض الآخر مجرمين ( حتى إن عمته قتلت زوجها بالسم ). ولقد استند عالم النفس ليوبوك سوندي إلى هذه الملاحظة وشبيهاتها ليجزم بهذا التعاقب وليطرح فرضية مفادها أن الأساس البيولوجي هو واحد في كلتا الحالتين. وإنما الفرق في الخيارات القدرية التي يختارها الشخص. فالتطرف المزاجي في عائلة ديستيوفسكي كان يسخر حيناً لخدمة المثاليات فينتج قديساً وحيناً آخر مجرما.
صالح رشيد صالح المهلهل (زائر)
UP 0 DOWN12:01 مساءً 2008/12/30
9
أستاذ ناصر
إذا أردنا أن نحل مشكلة يجب أن نشخص جذور هذه المشكلة لكي نتوصل إلى سبب الداء لندوايه من جذوره وليس فقط بإعطاء مسكنات لأعراضه Symptoms
نعم هناك أمراض نفسية كثيرة في المجتمع
وبالعقلية المتخلفة التي تعتبر المرض النفسي "عار" والتداوي عند طبيب نفسي "جنون" تستمر عملية الرفض Denial لأعراض المرض النفسي الذي إذا لم يعالج يتحول فعلا إلى جنون
لكن الحقيقة ليس المرض النفسي سبب تفشي الجريمة
سببها مخرجات ثقافة المسجد والمدرسة وقمع الشارع التي تحرض المواطن على كره الاخر وقهر المرأة
عبدالله بن محمد (زائر)
UP 0 DOWN12:02 مساءً 2008/12/30
10
هذا هو الواقع، وأنت من الصادقين.
.
ثقافتنا البدائية تعمل على ظلم نصف المجتمع لصالح النصف الآخر، تماما كما يحدث في مرض الحساسية، عندما تهاجم الكريات البيضاء للجسم خلايا أخرى في نفس الجسم.! فيمرض الجسم كله، وتخسر كل الخلايا حياتها بخسارة الجسم الذي كان يجمعها، بما فيها تلك التي هاجمت.!
.
سبب هذه الثقافة أن المرأة غير ممثلة في مراكز إتخاذ القرار الديني والسياسي والإجتماعي، وحلها هو بحجز نصف مقاعد هذه المراكز للنساء.
.
فبرلمان كله يهود لن يصدر تشريعات لصالح عرب.!
مريم إبراهيم (زائر)
UP 0 DOWN12:03 مساءً 2008/12/30
11
يا واحد هلالي:
.
أولاً: اسجل احترمي الهلال.
.
ثانياً: أكثر ماهو تحيز للضحية في تحرير الموضوع بطريقة اعدادها هو تضخيم للحدث وعمل ضجة اعلامية بالتلاعب بالكلمات على حساب الخبر واصحابة والمتلقى أو بالانحيز لطرف ماء لتاجيج العواطف وحصولة على تفاعل بشكل اكبر.
.
ثالثاً: الشكر الجزيل للكاتب.
عبدالمحسن المقبل (زائر)
UP 0 DOWN12:45 مساءً 2008/12/30
12
المشكلة أن المجتمع لايعترف بالأمراض النفسية كونها أمراضا تحتاج انتباه ورعاية فائقة مثلها مثل الأمراض الجسدية. والمصيبة أن المريض النفسي هو خطر على المجتمع بينما المريض مرض عضوي هو خطر على نفسه فقط. ولانسمع أن فلانا هو مريض نفسي إلا بعد أن يرتكب جريمة فتكون هذه حجته ليفلت من العقاب، أما قبل أن يؤذي أحدا فهو إنسان يحق له كل شئ: يتزوج وينجب ويتوظف مثله مثل أي واحد وهذا خطأ. المريض النفسي لايحق له فتح بيت لأنه إنسان غير متوازن وبعض الوظائف لايمكن أن يتوظف بها لأنها تحتاج لنفسية وعقلية بصفات معينة.
هيلين (زائر)
UP 0 DOWN02:27 مساءً 2008/12/30
13
اكيد هو مرض نفسي
بس هو لم يكون السبب لان السبب يكون من مشكله او قضيه تحولت الى حقد او كراهيه او انفصام بالشخصيه او يعني ما بي اكثر كلام بس ابي اوصل الى ان السبب الاول لم يكون نفسي بالغالب مثال اب يقتل ابنه هي جريمه ولكن لو بحثنا لوجدنا ان هناك ضروف واسباب وضغوط لا يعرفها الا هو سببت له طبعا لم تعالج
عبدالله عبد الرحمن الدهمش (زائر)
UP 0 DOWN01:46 صباحاً 2008/12/31