الأربعاء 5 ذي الحجة 1429هـ - 3 ديسمبر2008م - العدد 14772

الخروج عن النص

الفضائيات.. من سعة الأفق إلى قصر النظر..!

د. مطلق سعود المطيري

    في غمار الانخراط مع الحياة قد لا نلحظ ما يطرأ عليها من تغيرات تتم خطوة خطوة، وبالتالي لا ندرك الفارق بين ما كان في فترة قديمة وما صار إليه إلا حين نتذكر.

مثلاً قد لا يطرأ ببالنا ونحن نقلب آلاف المحطات التليفزيونية الفضائية أن نفكر فيما كان عليه ارسال الصوت والصورة قبل ذلك عبر خدمة محلية الا حين نتذكر صعودنا الى أسطح المنازل لتثبيت هوائي نستقبل به صورة مشوشة (بالأبيض والأسود) وصوتاً تختلط معه عشرات الذبذبات والشوشرات فلا يكاد يبين، ونذكر شكاوى المناطق النائية عن العاصمة التي تطالب بمد الإرسال إليها، ونذكر الهوائيات الحديدية الضخمة التي تزرع في الأرض أو على قمم الجبال فترة بعد أخرى لحمل إرسال ضعيف إلى منطقة نائية..ولتحسب ضمن "المنجزات الجديدة في خطة تنموية من الخطط.

تغيرت الأوضاع خطوة بعد أخرى (لم نكن نستوعب آنذاك فكرة الصورة الملونة) الى أن أصبح في حيازتنا ذلك العدد المهول من القنوات. وطبيعي أن الأدوات والوسائل بدورها قد تغيرت بشكل مهول، فالأجهزة التي كانت تعجز عن حمل الإشارة إلى عدة كيلومترات أصبحت قادرة على إرسالها إلى قمر صناعي يقوم بتوزيعها على العالم كله . الحمد والشكر لله.

في أزمنة "الأبيض والأسود" كانت العقلية التي تديرها، بحكم انتمائها وإخلاصها للعمل وواجباته، تكرس عددا هائلا من المندوبين والمراسلين في أرجاء المملكة ليأتوا إليها بأخبار نادرا ما تكون مصورة وغالبا ما تكون بلا صورة فتقرأ كخبر إذاعي لا تليفزيوني، ومع ذلك كانت تلك العقلية تقوم بمهمتها الصعبة بشكل جميل ونبيل، فقضايانا (المحلية) السياسية مطروحة عبر الخبر، والاقتصادية مطروحة عبر التحقيق والاجتماعية مطروحة عبر التمثيليات أو الندوات أو برامج التوعية والإرشاد. هؤلاء كانوا يتميزون بحسن البصر والبصيرة، يعرفون الرسالة التي يحملونها قادمة مِن "من" وذاهبة الى "من" ، فجمهور مشاهديهم لا يخرج عن "بعض" من سكان المملكة.

مع التغير الذي طرأ على وسائل البث والاستقبال ظلت العقلية التي تتعامل مع آخر منجزات التقنية على ولائها وهواجسها وهمومها التي ورثتها عن السابقين.. تلك "سعة للأفق" لابد أن نقابلها فيهم بكل العرفان والتقدير، وإنما فقط غاب عنهم تصور "إلى من" تتوجه الرسالة ..! فالإشكالية المحلية الخاصة لم تعد كذلك ولا ينبغي النظر إليها على أنها قضية محلية تطرح لها الحلول المناسبة لهذه الصفة، لم تعد محلية بحكم أن العالم بأسره قد غدا قادرا على أن يطلع على ما نقول أو نفعل.

هنا إشكالية كبيرة، لأننا إذا استعرضنا معظم قنواتنا الفضائية العربية لن يجانبنا الإحساس بأن تلك القناة أو غيرها "ما تزال ملتصقة بتصور جمهورها الواقع داخل حدودها الجغرافية" وكأنها قناة أرضية قاصرة على المنطقة تصل أهلها مشوشة بهوائي فوق الأسطح .

بطبيعة الحال لا أصادر المادة المحلية ذات الطابع العام كمواد التراث الشعبي وبعض العادات والتقاليد والتي يجب أن تخضع لمعيار دقيق في الاختيار لتقديمها كصورة مشرفة لنا أمام العالم، وإنما ما أعنيه هنا بعض البرامج الإرشادية والتوعوية التي لا تخص الا مجتمعنا وحده ولا ينبغي أن يطلع عليها سوانا.. يكاد الأمر يشبه - مثلا - خلافاً عائلياً بسيطاً بين زوج وزوجته، اذا جرى في غرفة مغلقة بقي قاصرا عليهما الى أن يحل، فان كانت الأبواب والنوافذ مفتوحة بلغ الخلاف أسماع الأولاد وترتبت عليه المشاكل، فان علت نبرة الشجار بلغ الأمر الجيران وأصبح "فضيحة".

علاج بعض القضايا المحلية في القنوات المحلية يبقيها داخل الغرف المغلقة، وطرحها على الفضائيات قد يعني تحويل الإشكالية إلى فضيحة دون أن ندري.

أذكر هنا ما أتحدث عنه تحديدا : في بعض القنوات الفضائية العربية شاهدت نداء إلى المواطن السعودي أن يراعي الله في مكفوله الذي يعمل لديه، هذه دعوة نبيلة نحمدها لأصحاب سعة الأفق الذين أرادوا أن يؤكدوا على حقيقة كائنة بالفعل ومشهود بها من السعودي والمقيم قبله، ولكنها في ذات الوقت تشهد "بقصر النظر" لأولئك الطيبين المخلصين، فالنداء الإنساني ما أن يتجاوز حدود المملكة حتى يضع من لا يعرفها ولم يزرها أمام حقيقة أخرى، مفادها أن المجتمع السعودي مجتمع وحشي ولا إنساني حد أن قسوة المعاملة دفعت بأجهزة الإعلام إلى ضرورة توعية الناس بسوء في المعاملة لم يأت ذكره فبقي مفتوحا على كل التصورات لحدود سوء المعاملة حسب نشاط كل خيال وسيلته الوحيدة أن يتصور، لأنه لا يعرف.