الرئيسية > المصرفية الإسلامية

أدوات تمويل وفق الشريعة


صالح السلطان ٭

المعاملات المالية في الشريعة (فقه المصرفية أو فقه التمويل)، تحكمها أربعة مبادئ:

الأول الأصل في المعاملات الإباحة. والثاني تحريم الفائدة، وبعبارة أدق، هذا ما استقر عليه رأي وفتاوى جمهور الفقهاء المعاصرين، والثالث تحريم الغرر، أي جهالة المعقود عليه، بحيث لا يدرى أيكون أم لا. وتدقيقًا، العبرة ليست في خلو المعاملة من الغرر تمامًا، فهذا صعب وفيه حرج شديد، ولذا أباحت الشريعة عقودا بها قدر من الغرر، ويمكن ضبط ذلك في إطار ما دعت إليه الحاجة وقل غرره، بحيث يحتمل في العقود.

والرابع، ويمكن أن يدرج في الثالث، ألا يبيع الواحد ما لا يملك، وقد صح النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، إلا أن أهل الفقه اختلفوا في المقصود، هل النهي يتناول المعين (كبيع بيت بعينه، قبل أن يتملكه) والموصوف غير المعين سواء كان يقدر على تسليمه أو لا، مع استثناء بيع السلم، وهو بيع يعجل فيه الثمن وتؤخر فيه السلعة إلى وقت تسليم معلوم، أم أن النهي يتناول فقط المعين وغير مقدور على تسليمه، أو فيه صعوبة بينة؟ رجح فقهاء معاصرون ومنهم الدكتور القرضاوي في كتابه "بيع المرابحة للآمر بالشراء"، أن النهي يتناول المعين فقط، أو الموصوف غير المقدور على تسليمه، وهذا ما يراه العلامة الإمام ابن تيمية رحمه الله، قال في رسالة له عن القياس (الفتاوى ج 02)، ويبدو لي أن هذا الرأي أقرب إلى مقاصد الشريعة، والله أعلم.

وقد استخرج (أو كيف) الفقهاء والمهتمون بقيام معاملات مالية إسلامية صيغا وأدوات تمويل، متوافقة مع المبادئ السابقة، أذكر منها ما يلي، مع ملاحظة أن هناك تفصيلات كثيرة لم أذكرها لضيق المكان.

المرابحة: عند الفقهاء بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، أو هي بيع برأس المال وربح معلوم. والمرابحة المصرفية تعني قيام البنك بشراء السلع أو الأسهم بناء على طلب العميل، ومن ثم بيعها بعد تملكها على العميل بالآجل بثمن يساوي التكلفة الكلية للشراء وزيادة ربح معلوم متفق عليه بينهما. وتطبق غالبا في المصارف تحت اسم "بيع المرابحة للأمر بالشراء"، وتعتبر الأداة الأكثر شيوعا في تمويل شراء السلع داخلياً وخارجياً وشراء الأسهم، وتقوم على مبدأ البيع بالآجل الجائز في الشريعة الإسلامية.

الاستصناع: يقوم الاستصناع على أساس قيام المصرف بالتعاقد مع العميل (المستصنع) على القيام بتنفيذ مشروع معين . وتحمل جميع التكاليف من الخامات والأجور ثم تسليمه كاملاً إلى العميل بمبلغ وتاريخ محدد. وبما أن المصرف ليس حقيقة شركة مقاولات، فإنه يقوم بالتعاقد على تنفيذ المشروع مع طرف ثالث.

السلم: من العقود المعروفة قبل الإسلام، وهو بيع مؤجل موصوف في الذمة بثمن يدفع عاجلاً. والسلم المصرفي يقصد به دخول البنك في عقد سلم بائعاً أو مشترياً لكمية معلومة من سلعة إلى أجل معلوم بثمن مدفوع نقداً.

الإجارة: وهو عقد معروف لدى عامة المجتمعات في القديم والحديث. وحسب الإجارة، يقوم المصرف بشراء السلع كالعقارات والآلات ثم تأجيرها على الغير، ويتم ذلك بعد دراسة الجدوى والتأكد من ربحيتها وقبولها شرعا.

التأجير المنتهي بالتمليك أو الوعد بالتمليك: نظريا له عدة صور، وربما كان أشهرها أن ينص العقد على دفع أقساط إيجارية تنتهي بالتمليك، وهذه -حسب علمي- ممنوعة عند أكثرية الفقهاء المعاصرين، أما أن تقترن بوعد بالتمليك فمقبولة،.

التورق: في الاصطلاح الفقهي هو شراء سلعة ليبيعها على طرف ثالث (غير بائعها الأول) للحصول على النقد. مثل أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لآخر نقداً ليحصل على ثمنها الحال لرغبته في الحصول على النقد. فان باعها إلى بائعها الأول فهي العينة الممنوعة.

البيع بالتقسيط: وفق هذا البيع، يتم تسليم السلعة في الحال مقابل تأجيل سداد الثمن إلى وقت معلوم سواء كان التأجيل للثمن كله أو لجزء منه، وعادة ما يتم سداد الجزء المؤجل من الثمن على دفعات أو أقساط.

المشاركة: يقوم التمويل بالمشاركة على أساس تقديم المصرف الإسلامي التمويل الذي يطلبه المتعامل دون اشتراط فائدة ثابتة كما هو الحال في التمويل بالمصارف التقليدية، وإنما يشارك المصرف المتعامل في الناتج المتوقع ربحاً كان أو خسارة، وذلك بناء على قواعد وأسس متفق عليها بين الطرفين، وهذا نوع من الشركات.

الصكوك: أدوات دين للتمويل الرأسمالي الخالي من التعامل بالفائدة، وبدلا منها تربط مثلا بنسبة من العوائد المتوقع تحققها، مثلا، نسبة شائعة من الأرباح الناتجة عن الاستثمارات المختلفة للمنشأة المصدرة. ومن المهم أن نعرف أن جعل الدين المؤجل الثابت في ذمة الغير يشترط له ألا يكون نقودا (قد يكون عقارا)، حتى يقبل تحويله إلى صكوك قابلة للتداول في سوق المال.

٭ بكالوريوس في الشريعة ودكتوراه في الاقتصاد

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    انا لست فقيهه ولا عالمه اقتصاد ولكن ما اللاحظه ان البنوك صارت تلف على احكام الشريعه لتحقيق ارباح خياليه مثال على ذلك انهم يبيعون سلعه مجهوله بسعر الاقساط وبطريقة الاقتطاع من الراتب كبيع حديد او فضه او ذهب او ما شابه رغم ان المشتري لم يرى البضاعه يعني يشترون له حديد ويبيعونه له ويعطونه المبلغ ويأخذون فوائد وهو لم يرى ولم يملك شيئا ملموسا ليبيعه!
    تقريبا هذا ما فهمته من قريب لي!!!
    فإذا كان حقا فانه بيع مجهول سمك في مويه!!!

    هدى - زائر

    08:30 صباحاً 2008/11/23


  • 2
    يعطيك العافيه ياصالح

    صقر الصقر - زائر

    09:08 صباحاً 2008/11/23


  • 3
    الدكتور العالم/ صالح السلطان حفظك الله،
    مقال رائع وجميل ونتعلم الكثير مما جاء فيه خاصة أن كاتبه عالم
    متخصص في الشريعة والاقتصاد ويحترم قرائه، بعكس البعض الذي
    يرمون الكلام على عواهنه ويصرون على أنهم يعلمون ولا يعملون
    أنهم لا يعلمون، وهم كثر في هذا الزمن و" يوهقون" الآخرين ثم
    يُلقون أخطائهم على غيرهم عملاً بالمثل (شين وقوي عين:).
    .
    كيف خسر وصُفيت وسُيلت محافظ المتعاملين مع البنوك التي
    تدعي أنها بنوك إسلامية وتعاملها غير ربوي؟ا
    وأرجو منك طال عمرك أن تشرح لنا ذلك لنعرف صحة ادعائهم من كذبه؟

    أبو عبد الكريم1 - زائر

    10:36 صباحاً 2008/11/23


  • 4
    د صالح في الرياض الجريده وبالعقاري يوم الثلاثاءيتناول كاتب اخر هذه الصيغ واهل الجزيرة يعرفونها بالفطره منذو الازل وجيلي يعرفها بدا من جفرة التمر بالمقيبره وحتى وقتنا عن طريق البنوك ولجانها ونشراتها التي ملئت علينا صناديق البريد نحن نريد البحث عن حلول تكافح التضخم وتيسر للانسان عيشته وكرامته نريد صيغ جديده يستخرجها فقهائناالمعاصرون كما فعل اسلافهم صيغا تفرق بين الحاجيات الضروريه والتي توجه للترف 0 نقدر لك جهودك ونحترم ما يخطه قلمك دمت في صحه

    سليمان المعيوف - زائر

    11:11 صباحاً 2008/11/23


  • 5
    يقرر الكاتب ان " الفقهاء " هم اللذين صنفوا عمليات التمويل.. والسؤال هنا هل الفقيه على درايه تامه بمبادئ الاقتصاد حتى يتدخل فيه ؟! ايضا.. هذه الصيغ قديمه جدا وقد اكتشفت بناء على معطيات في مجتمعات لاتعرف هذا التشابك والتعقيد الاقتصادي الكبير الذي نعيش فيه في هذا الزمن..
    اين اجتهادات الاقتصاديين المسلمين المتوافقه مع الحداثه والعصر، بحيث يتم مراجعتها، لاحقا، من قبل الفقهاء، لا أن يحدث العكس.. اي ان يقرر الفقيه اشياء في الاقتصاد وهي ليست من اختصاصه..!!

    سعود الشايق - زائر

    01:52 مساءً 2008/11/23


  • 6
    شكراً لك دكتور صالح، اختصار جميل وبليغ، كبسوله اقتصاديه تركز الفهم مع تشتت المصطلحات. ولكن يا سعادة الدكتور اذا تفضلت هل يوجد فارق بين المرابحة والتورق وبيع التقسيط ؟؟ اراها كلها بنفس المعنى الا انه ربما المرابحة تقسيط سيارات وعقار، و التورق تقسيط معادن "مع توكيلهم بالاستلام والبيع"..؟!

    ممدوح العنزي - زائر

    01:53 مساءً 2008/11/23


  • 7
    شكرا لك على هذا المقال
    طيب يا أخ صالح ماهو رأيك تجاه مايجري في إحدى الدول الخليجية المجاورة حيث يقوم المستثمر بشراء العقار ويدفع مبلغه كاملاً قبل أن يتم بناؤه ومن ثم يقوم ببيعه والعقار لم يبنى أساساً ؟

    عبدالعزيز - زائر

    02:40 مساءً 2008/11/23


  • 8
    موضوع جدآ رائع د\صالح
    أرجو منكم التفضل بالكتابة عن الأزمة المالية
    وتأثيراتها على المملكة.
    حيث أنها حديث الساعة
    شاكر ومقدر مقدمآ
    أخوك عبدالله

    وش اسوي قلبي اخضر...! - زائر

    05:29 مساءً 2008/11/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة