الخميس 22 ذي القعدة 1429هـ - 20 نوفمبر 2008م - العدد 14759

المقال

ملعب الغولف في سلسلة تناقضاتنا التنموية

د. سليمان بن عبدالله الرويشد

    تنطوي عمليات التنمية لدينا للأسف على كم من التناقضات التي تقع عليها أنظارنا بشكل شبه يومي، وتعبر من أمامنا واحدة تلو الأخرى، مثيرة في دواخلنا العديد من التساؤلات التي لا تتوقف في البحث عن المبررات وراء هذه التناقضات، لكن وللأسف أيضاً لا يطفو للسطح ولا يخرج للعلن كثير من تلك التساؤلات، ليطرح على بساط البحث والمداولة والنقاش، من أجل التعرف على العوامل التي تقف خلف تلك التناقضات، والحلول الممكنة لمنعها أو الحد على الأقل من تناميها.

إن من تلك التناقضات التي ربما يقف وراءها غياب الإطار التنظيمي لكيفية التعامل مع الجوانب البيئية في التنمية الحضرية لدينا في المملكة، هو التباين في استخدام مواردنا الطبيعية والشحيحة منها بصفة خاصة، ولعلي أسوق هنا مثالاً قريباً جداً أجد أنه يمثل تجسيداً واضحاً لما أشير إليه في هذا الشأن.

لقد نشرت بعض الصحف المحلية الأسبوع الماضي، خبراً عن قيام إحدى شركات التنمية العقارية الإقليمية المساهمة، التي تتولى تطوير ضواحي سكنية في مدينة ساحلية بالمملكة بتوقيع عقد تنفيذ ملعب غولف في إحدى تلك الضواحي الجاري تطويرها، على مساحة تقارب المليون متر مربع، يطل جزء كبير منه على شاطئ البحر، الذي أضحى التواصل معه لعامة الناس يتضاءل يوماً بعد آخر في مدننا الساحلية، وقدرت تكلفة التطوير بمبلغ يصل إلى مائة وخمسين مليون ريال.

إن التناقضات التي ينطوي عليها ذلك المشروع قد يكون من الصعوبة الإحاطة بكافة جوانبها في المساحة المحدودة لهذه الزاوية، لكن قد تغني الإشارة إلى إبرزها، وأكتفي هنا بثلاثة منها يأتي على رأس تلك التناقضات تعامل مطور المشروع مع مورد المياه الشحيح بصفة عامة في بيئتنا المحلية، وهدره في ذلك النوع من المشاريع الترفيهية غير التنموية، فهذه المساحة الضخمة التي تبلغ المليون متر مربع، التي ستروى في الغالب من مياه البحر المحلاة، أو المياه الجوفية غير الصالحة للشرب، أو من مياه الصرف الصحي المعالجة إن أحسن الظن في ذلك، تظل موارد طبيعية محدودة، يمكن صرفها لمشروعات أخرى هي أحوج ما تكون لها، لا سيما وأن مدناً ساحلية أخرى قريبة منها، تعاني من أزمات شح المياه على مدار العام، حتمت على مؤسسات الدولة المعنية بهذا الأمر المعالجة الآنية لهذه الأزمة عبر محطات التحلية العائمة.

التناقض الثاني هو في توظيف تلك الأرض المطورة، الكبيرة في مساحتها نسبياً، وتوجيهها لهذا النوع من الاستخدامات الترفيهية، في ظل الشح في وجود الأراضي السكنية المطورة، والتي كان بالإمكان أن تصبح تجمعاً سكنياً يستوعب ما لا يقل عن عشرة آلاف ساكن، وتوفير مشاريع ترفيهية بديلة تناسب الظروف البيئية والاجتماعية والاقتصادية لسكان تلك الضاحية السكنية.

أما التناقض الثالث فهو توجيه الموارد المالية المحدودة في الوقت الحاضر في ظل الأزمة الحالية التي قادت بعض شركات التنمية العقارية وربما منها هذه الشركة المساهمة إلى تقليص أنشطتها والاستغناء عن خدمات بعض كوادرها البشرية، وجعلها تنفق في هذه المرحلة على نوع من المشاريع المكلفة في تشغيلها ناهيك عن إقامتها، استهدافاً منها لاستقطاب فئة محدودة من السكان هم في الغالب من الغربيين للإقامة في تلك الضواحي السكنية، التي لا يخفى على مسؤولي الشركة أن غياب تلك العناصر الترفيهية لم يكن هو السبب الجوهري في إقبال أو إحجام الخبرات الغربية نحو العمل والإقامة في أحياء سكنية أقامتها شركة أرامكو أو الهيئة الملكية للجبيل وينبع على سبيل المثال.

بقي أن نقول لاخوتنا الأعزاء في هذه الشركة المساهمة ونحوها بأن مثل هذه المشروعات لا يمكن أن يحقق من خلالها مجتمعنا التنمية المستدامة التي نهدف نحن وإياهم جميعاً لتحقيقها.

٭ أكاديمي وباحث في اقتصاديات التنمية الحضرية