هناك شعرة يصعب تبينها تفصل النقد عن التشهير واتهام الناس بالباطل، ورغم أن معظم الكتاب يحاول أن يتوقف عند هذه الشعرة ويبتعد عما يمكن أن يعتبره الآخر تشهيرا واتهاما إلا أنه لا بد أن تقع بعض الهفوات وبعض الاخطاء التي تجعل من الكتابة هادمة بدلا من أن تبني وتوعي الناس وتصنع الفضاء النقدي الصحي الذي يوجه ويصحح دون أن يصنع تواترات مجتمعية. أعترف شخصيا أنني من الذين ينتقدون بحدة (أحيانا) حتى أن من أعرفهم يعتقدون أنني من فئة الذين لايعجبهم شيئا أو كما يقول إخواننا المصريون (لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب) والحقيقة أنني لا أصوم في رجب لذلك فإن هذا القول ينطبق علي قلبا وقالبا لذلك يمكن للقارئ أن يعتبرني من الذين قد يرتكبون بعض الاخطاء النقدية التي تتخطى حدود النقد الايجابي (أحيانا). على كل حال، النقد متعة ومعرفة وبحث عن الصالح العام لكن يجب أن يرتبط بالبحث عن الحق، وقول الحق يجب أن لا يسمع فيه لومة لائم، لا أن يتحول النقد إلى مجرد بحث عن الظهور ولفت الانتباه لأن الهدف هنا سيتحول بشكل كبير من البحث عن الصالح العام إلى المصلحة الفردية المطلقة. أقول هذا وأنا أقرأ بيان الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض يوم الثلاثاء الفائت ( 22شوال 1439ه/ 21أكتوبر 2008م) عن الملابسات التي أثيرت حول تطوير الملك عبدالله في مدينة الرياض حيث أنه ذكر البعض أن المشروع تم ترسيته بمبلغ 698مليون ريال ورسي من الباطن على عدة مقاولين حتى وصلت قيمة العقد إلى 18مليونا ومئتي ألف ريال. والحقيقة أنني قرأت حول الموضوع في شهر رمضان الفائت في الشبكة العنكبوتية وتوقفت كثيرا حول هذه المغالطات ولم أفكر مطلقا أن أخوض فيها لأن الكلام كثير والحقائق ضائعة. المشروع عمراني بالدرجة الأولى ويهمني كمتخصص في مجال العمران وسيكون له تأثير كبير على مدينة الرياض لأنه أحد مشاريع التطوير الحضري الأساسية التي ستغير من الصورة "الجافة" للرياض التي كانت تعتني في السابق بالسيارات على حساب الانسان وتحولت في السنوات الأخيرة إلى مدينة تبحث عن الروابط الحضرية الانسانية ربما يكون طريق الملك عبدالله أحد أهم تلك الروابط. لم أتوقف كثيرا لأني عندما قرأت ما تداولته الشبكة العنكبوتية حول المشروع كنت أمر بالقرب من طريق الملك عبدالله أسبوعيا، فقد كنت خلال شهر رمضان أزور الرياض لأني مرتبط باجتماع أسبوعي في أحد المكاتب شمال طريق التخصصي وكان لا بد لي أن أمر بوصلة طريق الملك عبدالله من تقاطع طريق الملك فهد حتى تقاطع التخصصي وغالبا ما أفوت المنفذ الذي يصعب رؤيته في الليل، فأضطر للسير حتى طريق الأمير تركي وأتجه شمالا ثم شرقا حتى أعود للتخصصي وكنت أشاهد أعمال الحفر العملاقة في هذا الجزء من الطريق وأهز رأسي وأقول لاحول ولا قوة إلا بالله لأن مبلغ الثمانية عشر مليونا التي ذكرت في الخبر على أنها ستكون تكلفة الطريق النهائية لاتكفي لمجرد أعمال الحفر في هذا الجزء من الطريق.
والحقيقة أنني لم اهتم كثيرا وربما يكون الخطأ الذي ارتكبته هو أنني لم ابحث ابدا عن مصدر هذه المعلومات ولم أفكر أن اكتب حول الموضوع رغم أنه جزء من العمل التوعوي الاجتماعي في مجال العمران والذي أمضيت أكثر من عقدين من عمري وأنا "اجاهد" لتحقيقه ومع ذلك لم ألتفت للموضوع بجدية حتى قرأت بيان الهيئة وبحثت عن الخبر بالتفصيل وعرفت أن بداية الموضوع كانت من احدى الصحف التي نشرت تحقيقا صحفيا حول المشاجرة التي حدثت بين شركات الحفر العاملة في المشروع وهي مشاجرة طبيعية في مواقع عمل كبيرة، وكما هو معروف هناك فرع كبير في علم إدارة المشاريع يسمى بإدارة المنازعات Disputes Management والشجار في العمل سواء حول حجم أو تكلفة العمل مسألة اعتيادية في مثل هذه الظروف، على أن الصحيفة أوردت معلومات رقمية حول تكلفة الحفر يؤكد بيان الهيئة عدم صحتها ولو أن الأمر توقف عند المشاجرة وتوضيح ملابسات الخلاف بدلا من الخوض في معلومات "خبرية" تسيء للمشروع وللقائمين عليه لكان أفضل. أما ما كتب في صحيفة أخرى نقلا عن صحيفة الكترونية هو نفسه الذي قرأته على الشبكة العنكبوتية وفي مواقع عدة بل حتى أنه وصلني ضمن بريدي الألكتروني وأنا عادة ما أتحفظ على ما يأتيني ألكترونيا لأنه غير موثوق فيه وغالبا ما يحمل أهدافا شخصية لا تمت للصالح العام بصلة. لذلك أجد أنه من الصعوبة أن يركن الكاتب إلى معلومات ألكترونية دون أن يتحقق منها كما أنه كان من الأجدر إذا كان ولا بد من الكتابة حول الموضوع أن يكون هناك إشارة نقدية لانقل الخبر وكأنه حقيقة والحكم عليه حكما نهائيا. أنا هنا لا أقدم النصح لأحد بل أتحدث عن أصول النقد التي يجب أن ترتكز على حقائق دامغة وعلى معرفة وثيقة بالموضوع (إذا ما كان سيورد الكاتب ما يعتقد أنه حقائق) أما مسألة الرأي فهي مفتوحة ومن حق أي كاتب أن يبدي رأيه في طريق الملك عبدالله بعد أن يكتمل أو قبل ذلك وهل حقق أو سيحقق أهدافه الحركية والحضرية الاجتماعية والجمالية أم لا. الفرق هنا كبير بين النقد المهني وبين نقل الحقائق أو الأكاذيب ونشرها كما هي دون تمحيص.
ما يمكن أن أسميه "الوعي النقدي" مفقود لدينا ليس فقط على مستوى عموم الناس ولا حتى على مستوى المؤسسات الحكومية والخاصة بل حتى على مستوى الكتاب والنخب الثقافية، فالفرق بين الخبر والرأي غير واضح وهو الأمر الذي يجعل النقد لدينا حساسا وغير مرغوب فيه رغم أنه من أهم وسائل الوعي المجتمعي فبناء مجتمع قادر على المشاركة هو من مهام الناقد الذي يجب أن لا يجعل من مواقفه الشخصية هي الحكم بينه وبين الآخرين. البيان الذي أصدرته الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض حول ما نشر حول طريق الملك عبدالله هو لتوضيح الحقائق ومن حق الكتاب أن يقيموا المشروع ويبدوا رأيهم حوله دون مغالطات واتهام الناس بالباطل، وهذا ليس دفاعا عن المشروع ولا عن الهيئة العليا ولكن دفاعا عن حرية النقد التي قد تتحجم في المستقبل نتيجة للخروج عما هو متعارف عليه أخلاقيا في مجال الكتابة النقدية.
1
الأخ مشاري شكرا على هذا المفال و لكن لدى المواطن سؤال لماذا ترسية المشاريع من الباطن من الشركة التي رسي عليها المشروع ؟ آلف علامة ؟
عبدالله الغامدي (موظف متقاعد) - زائر
08:14 صباحاً 2008/10/25
2
رد:
الترسية من الباطن لا تعني بالضرورة (سؤ النية) أو (سوء الأداء) وهي شيء متعارف عليه في المشاريع لأن (صاحب العقد) لا يريد أن يتعاقد مع عدة جهات بل مع جهة واحدة مسئولة.
مثال:
لو تقدمت شركة متخصصة بتشغيل مستشفى (متكامل)
ولكنها غير متخصصة في (التغذية) فمن حقها أن (تستأجر من الباطن) شركة أخرى (متخصصة في التغذية) لإدارة ذلك القسم. وكذلك (قسم الصيانة) وغيرها.
ولكن (الشركة المتعاقدة على كامل المشروع) تبقى مسئولة أمام "صاحب العقد" عن الأداء ومحاسبة على تقصير (مقاولي الباطن)
أتمنى أن وضّحت الصورة؟
محمد الغانمي - زائر
11:44 صباحاً 2008/10/25
3
مثال لما ذكرت آنفا:
ما يتعارف عليه الناس في العقار بعقد (تسليم مفتاح)
ويبدو أن مشروع تطوير الطريق من نفس النمط، فهو تسليم مفتاح والمسئول جهة واحدة (هي المقاول الرئيسي)
أما ما يتداوله الناس من أن العقد (باعته الشركة أو تنازلت عنه لمقاول الباطن) فهذا غير مقبول في شريعة التعاقد بدون موافقة "صاحب العقد".
وحتى لا نقع في (الغيبة) فإن لنا ما نرى ونسمع فقط، أما السرائر فعلمها عند ربي.
اللهم اصلح شأننا كله
واحفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين من الشر وأهله
محمد الغانمي - زائر
11:50 صباحاً 2008/10/25
4
يغفل الكثير من الكتاب وبعض الصحف، الاهتمام بمصادر معلوماتهم وينقلون كل ما يصل إليهم دون تحقق أو تدقيق في مدى صحة المعلومة فيكونون أشبه ما يكون ب (حاطب ليل).
وهذا ما وقعت فيه جريدة شمس والكاتب عبد العزيز الصويغ في جريدة المدينة، عندما نشرا أخبار غير صحيحة، بل غير منطقية وتحمل اتهامات في ذمم الآخرين دون وجه حق.
أنس العبيد - زائر
02:11 مساءً 2008/10/25
5
لم أشك للحظة واحدة عندما قرأت خبر جريدة شمس عن المشروع، في أنه غير صحيح، فهل يعقل أن ينفذ مشروع ضخم بهذا الحجم ب18 مليون فقط.
لكن العجلة شينة
فيصل - زائر
02:43 مساءً 2008/10/25
6
اقتباس ((.. وأنا عادة ما أتحفظ على ما يأتيني ألكترونيا لأنه غير موثوق فيه وغالبا ما يحمل أهدافا شخصية لا تمت للصالح العام بصلة. لذلك أجد أنه من الصعوبة أن يركن الكاتب إلى معلومات ألكترونية دون أن يتحقق منها كما أنه كان من الأجدر إذا كان ولا بد من الكتابة حول الموضوع أن يكون هناك إشارة نقدية لانقل الخبر وكأنه حقيقة والحكم عليه حكما نهائيا.. ))
عين العقل يا كاتبنا الفاضل.
نبيل - زائر
02:52 مساءً 2008/10/25
7
الدكتور عبد العزيز الصويغ هو سفير المملكة سابقاً في كندا..
وكان يفترض به أن يكون عارفاً بأهمية مصادر المعلومات، التي تزيد أهمية أحياناً عن المعلومات نفسها..
فؤاد المنذر - زائر
02:57 مساءً 2008/10/25
8
شدني مقالك في جريده الرياض لمضمونه الاخلاقي من الحث على الثبت و النزاهه
الله لا يحرمنا من علمك
سلمت و سلمت يمينك
ابراهيم - زائر
03:01 مساءً 2008/10/25
9
بيان الهيئة كفى ووفى. والنقد شيئ وقذف الناس في ذممهم شيئ آخر
أبو سامي - زائر
03:10 مساءً 2008/10/25
10
"المشروع تم ترسيته بمبلغ 698مليون ريال ورسي من الباطن على عدة مقاولين حتى وصلت قيمة العقد إلى 18مليونا ومئتي ألف ريال"
كبيرة يا ناس.. من 698مليون ريال إلى 18مليونا..
حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدق فهو ليس بعاقل!
عاشق الرياض - زائر
03:41 مساءً 2008/10/25
11
مقال رائع.. ومنصف نحتاج للكثير من نوعيتك يادكتور
قيل : آفة الاخبار رواتها.. وهذا ما يقع فيه كثير من الناس
ايضا هناك اناس مهمتهم تصيد الاخطاء مع العلم ان المتابع للمشروع يرى مدى العمل الضخم الذي يسير فيه.. مع العلم ان المشروع مازال في بدايته الا ماهو مشاهد يوحي بان هناك جهود
للمتصيدين في الماء العكر دعوا الناس تعمل..
عبود - زائر
03:50 مساءً 2008/10/25
12
أين تعليقي بارك الله فيكم ؟
شاهر - زائر
06:18 مساءً 2008/10/25
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة