الرئيسية > مقالات اليوم

علامات

الدفاتر السرية.. وتاريخ المنتصرين !!


ماضي الخميس

ثارت في فرنسا ضجة بعد قيام رئيس جهاز المخابرات العامة الفرنسية السابق إيف برتران بنشر "دفاتر سرية" اعتبرت بمثابة فضيحة سياسية كبرى أدت الى قيام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان وأحد الوزراء السابقين برفع شكوى أمام القضاء ضد رئيس المخابرات العامة الذي كان مقربا من الرئيس السابق جاك شيراك ورئيس الوزراء السابق دومينيك دوفيلبان.. وتضمنت الدفاتر السرية اتهامات أخلاقية ومالية خطيرة للرئيس الفرنسي ساركوزي وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة الفرنسية قد تؤثر في حياتهم السياسية.

الدفاتر السرية أيضا كانت مثارا للجدل في كثير من دول العالم، وفي أمريكا أثارت مذكرات بعض القادة السياسيين التي نشروها بعد اعتزالهم فضائح كبيرة وردود أفعال غاضبة، كما تضمنت الدفاتر السرية لعدد من السياسيين الأوربيين كذلك على معلومات ووثائق أثارت ولازالت جدلا كبيرا.

الحكومة البريطانية تقوم بنشر كافة الوثائق الخاصة والسرية بعد مرور ثلاثين عاما عليها، وبمراجعتها تكتشف الأهوال الكبيرة التي كانت الحكومات أو السياسيون يخدعون شعوبهم بها، وبترجمة بعض فصول تلك الوثائق ستجد العديد من الشخصيات العربية وهي تتعرى على الورق بحقيقتها بعيدا عن الخدع والأكاذيب والمثاليات التي ظهرت بها لسنوات طويلة.

العرب لم يجيدوا فن الدفاتر السرية وكتابة المذكرات الا القدر القليل منهم.. فالمكتبات تمتلئ بكتب المذكرات والذكريات ولكن القليل منها الذي يتضمن الحقيقة الكاملة، وأغلبها سعى أصحابها لتحسين صورتهم وتبرير أفعالهم وضرب خصومهم بالكذب والتلفيق.

وقليل من السياسيين العرب الذي يعمل منذ بداية حياته على جمع المعلومات وتوثيقها بشكل علمي دقيق للاستفادة منها بعد اعتزال العمل السياسي.. والبعض الآخر من اصحاب المذكرات يعتمد على ذاكرته فقط التي لا تسعفه أحيانا كثيرة، أو توهمه أحيانا بأحداث ووقائع لم تحدث، أو أنه يسعى الى ربط الأحداث بعضها ببعض وفق ما تشتهي نفسه لا وفق ما تقره الحقائق.. وقد شهدت المذكرات الأخيرة التي نشرها الدكتور أحمد الخطيب أحد أبرز أقطاب العمل السياسي في الكويت العديد من ردود الأفعال الغاضبة والنافية لكثير من الوقائع والأحداث التي تضمنتها المذكرات، وفي السابق أثارت كتب المذكرات التي نشرها محمد حسنين هيكل في مصر ردود فعل واسعة على مستوى العالم العربي لعدم دقة الأحداث وتسلسلها خاصة وأنه اعتمد كثيرا في استشهاداته على الموتى.

العرب يستسهلون كتابة المذكرات وتلفيق بعض الذكريات ولا يكتبون مذكراتهم بحرفية ولا يسعون لتدقيق معلوماتهم ومراجعتها.. أما في الغرب فإن الكلمة مسؤولية وأصحابها محاسبون على كل حرف يرد في تلك المذكرات، لذلك نجد أنهم يسعون الى تدقيقها ومراجتها والتريث بها، كما أنهم يعمدون في نشرها الى كتّاب محترفين يجيدون كتابة المذكرات والتأكد من المعلومات الواردة بها حتى لا يطولها أي تشويه.

وفي دول الخليج تكاد فكرة كتابة المذكرات تكون معدومة، ونادرا ما نجد مسؤولا أو وزيرا كتب مذكراته وكشف عن بعض الأسرار، لذلك نجد أن الكثير من الأحداث المهمة لا يمكن توثيقها بشكل علمي دقيق لفقدان المعلومات حولها وتكتم أصحابها عليها، مع أنه من المفترض أن تلك الأحداث والمعلومات ليست ملكا للشخص ذاته بل هي ملك الحقيقة والتاريخ والوطن، فيجب أن يتم توثيق تلك الأحداث مهما كانت قسوتها كي تبقى ذاكرة التاريخ نشيطة ولا تتكلس أو تفقد جزءاً من حقيقتها.

الكثير من التجارب الخليجية والأحداث فقدت في ذاكرة التاريخ بسبب اهمال المسؤولين عنها وعدم حرصهم على تسجيلها وتوثيقها، وهناك دول تسعى الى محو أحداث معينة من ذاكرتها لأسباب عديدة.. وكنت قد أشرت في أكثر من موضع الى أن التاريخ دائما يكتبه المنتصرون.. ومع تعاقب الحكومات تسعى كل حكومة الى طمس إنجاز الحكومة التي سبقتها.. وإظهار مساوئها فقط.. والسعي الى تجميل مرحلتها فقط.. وهذا هو ما أسميه سرقة التاريخ.

يبحث القضاء الفرنسي حاليا بالدفاتر السرية لرئيس جهاز المخابرات السابق.. ويا ترى لو قرر رئيس جهاز مخابرات عربي نشر دفاتره السرية.. فماذا سنكتشف.. الله وحده أعلم. ودمتم سالمين.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة