الرئيسية > مقالات اليوم

ايقاع الحرف

الذوق معيارنا في الحكم والتقويم


ناصر الحجيلان

يمثل الذوق معيارًا مهمًا في الحكم على الأشياء، فهو الذي يحدد توجيه عقولنا مع الموقف أو ضده. وعلى الرغم من كون الذوق يتصف بعدم الدقّة في سرعة تغيره وخضوعه للعاطفة والمؤثرات الخارجية، إلا أن هذا الذوق يحصل له "تنظيم" معين يجعله يأخذ طابعًا علميًا حتى يبدو من الخارج وكأنه حكم محايد وصارم.

فالخطوة الأولى التي نتبعها في التعامل مع المعطيات هي مايقرره لنا الذوق الشخصي الذي جاءنا على شكل انطباع بدائي، ثم نخفي هذا الانطباع -بإدراك أو بعدمه- ونبدأ نتحدث عن أشياء أخرى ونجمع عناصر من هنا وهناك لتأييد حكم الذوق الذي أثارنا في البداية.

ويمكن توضيح دور الذوق الشخصي في الحكم على الأشخاص من خلال مثالين، الأول للممثل الأمريكي "كلينت إستود" الذي يبدو هادئًا وصامتًا أغلب الوقت في مشهد من فيلم "جسر بروكلن". ويفسّر هذا السلوك على أنه دلالة على بعد النظر والرزانة المطرّزة بالحكمة. والحكم في بدايته انطباعي قائم على الذوق في تقبّل رجل كبير في السن ونحيف توحي ملامحه بالصرامة والجدية. ويمكن لشخص ماهر في التأويل أن يجعل الأمر أكثر منهجيّة بربطه بأسباب ووقائع ملموسة، فينطلق من أن الصمت والهدوء يدلان على التأمل العميق للأحداث وقراءتها قراءة مستبصرة، ويمكن التدليل على ذلك من خلال طريقة الممثل المتقنة في التقاط الصور، وأسلوبه في إعداد الوجبات..إلخ، وهي قراءة لاتكتفي بتحليل الحدث الآني بل تنظر لما وراءه من سلسلة غير متناهية من الوقائع التي مرت على خبرة السيد إستود في الحياة.

هذا الهدوء نجده عند ممثل آخر، وإن بدرجة أقل، وهو الممثل "بروس ويليس"؛ ولكن ما أنء نعلم أنّ هذا الممثل يؤيد الحرب على العراق وقد ذهب هناك لدعم القوات الأمريكية. فإن هذه المعلومة تجعلنا نتعامل معه من خلال رؤيتنا الرافضة للحرب، ولو قرأه شخص لايتفق مع رؤيته فسيجد في هدوئه أنه شخص ممل وكئيب وليس أكثر من صاحب دم ثقيل. وبالمثل، يمكن دعم هذا الحكم بشواهد واستنتاجات كثيرة لا تقل منطقية عن أدلة من يؤيده.

ومن هنا يشكك النقاد في مايتعلق بأفكار عن "الحياد" و"الموضوعية" التي يروج لها بعض الأكاديميين، لأن الحياد والموضوعية ماهما إلا قشرة تغلف التحيز للذوق. ولو عدنا إلى سبب اختيار العمل لأول وهلة لوجدنا أن الدافع وراء ذلك هو دافع شخصي بحت. فالشخص الذي نعجب به نراه بصورة أفضل ونقدّر عمله، فنجد فيها التميز الذي نبحث عنه. وفي المقابل فإن الشخص الذي نرفضه نراه بصورة سلبية استوحيناها من تصوّرنا الشخصي ثم ألصقناها عليه وتعاملنا معه بناء على تلك الصورة المفترضة؛ ويمكن أن نصل درجة عالية من الحماس والتفاني في الدفاع عن مقولاتنا لأننا في الحقيقة خاضعون لسيطرة الصورة التي أوجدناها في الأصل بإرادتنا ثم استسلمنا لهيمنتها على عقولنا.

ونستطيع أن نفهم مقولة الفيلسوف كانط حول حكم الذوق الذي يمكن الاستفادة منه عند التعارض بين الحدس والتصوّر على اعتبار أن نتائج الحدس غير ثابتة في حين أن مخرجات التصور تبدو مستقرة، ولهذا يجد أن الرجوع إلى حكم الذوق هو الذي يبين المهمة الحقيقية في مد نطاق الحدس وتخليصه من قيود التعارض المفترضة مع التصوّر.

وإذا كان الذوق هو معيار تفضيلي يخضع لاعتبارات قياسية تخص الشخص والمجموعة والثقافة، فإن الأحكام المرتبطة به دائمًا ما تكون محكومة بالمنظومة الأخلاقية المستقرة لدى البشر. فالشعور بالارتياح لشخص أو النفور منه أو الثقة فيه أو الارتياب منه هي انطباعات محكومة بمنظومة ثقافية ينشأ المرء عليها منذ الصغر وهي التي تحدد قيم الجمال والقبح فيما حوله من معطيات الكون.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 9

  • 1
    يعطيك العافية أستاذ ناصر، وكما قال الشاعر:
    عين الرضا عن كل عيب كليلة
    كما أن عين السخط تبدي المساويا،،،
    تحياتي،،،

    عبد الرحمن بن حمد - زائر

    06:39 صباحاً 2008/10/23


  • 2
    يقال قديما: (( لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع))
    وحديثك عن الذوق حديث عالم مطلع واعي، وهو صحيح لانه هو المعيار حتى لو خبأه البعض تحت غطاءات المحايدة والموضوعية.
    لك تحياتي

    ألفريح - زائر

    08:06 صباحاً 2008/10/23


  • 3
    بوصفي مولعة بالأفلام الأجنبية فأنا أجد خياراتك في محلها وفعلا ممثلة لما تريد أن تشرحه. الحقيقة أن الممثل كلينت استوود هو بالفعل مثل ماذكرت ولكن مع هذا -وفقا لذوقي الشخصي- فأنا وجدته مملا نوعا ما ربما لأني أجد هدوءه هو بطئ بالحركة والتفكير وليس سكينة جميلة وهذا معيار شخصي ولكن حينما حاولت أن أفهم هذه الشخصية لأسباب خاصة كذلك وجدت هذه الشخصية مريحة وتجعلك تخرج من الصخب إلى منطقة أخرى تتحرك فيها الأشياء تحت عينك وبإذنك..أقصد أنك تشعر أن العالم تحت سيطرتك، وهذا ربما سر ثقة هذه الشخصية.
    شكرا لك.

    هيلين - زائر

    12:27 مساءً 2008/10/23


  • 4
    أشكرك على هذه اللفتة التي تغيب عن البعض
    والذوق بالمناسبة دائما متحيز
    متحيز للعادة
    متحيز للثقافة
    متحيز للمصلحة
    ولك ألف تحية على الفكر النير...

    سلمان الرميح - زائر

    01:00 مساءً 2008/10/23


  • 5
    مقال رائع , وان كان يعطيك الاحساس بالاكادمية البحته , و هذا لايفقد المقال جماله وحقيقته , ولعل ماكتبه ناصر المطوع اليوم في الزوايا الاربع , يصب في نفس الموضوع.
    والغريب ان كل اسمائكم ناصر ( الله ينصر الذوق فيكم )

    سلمان - زائر

    02:47 مساءً 2008/10/23


  • 6
    بس بروس ويليس Bruce Willis مو هادي ابدا احس شخصيته الحقيقة جذابة وديناميكية مثل الشخصيىة اللي مثلهافي بعض اعماله القديمة مثل moonlightning مع سبيل شيبرد مثلاً..

    هند - زائر

    04:31 مساءً 2008/10/23


  • 7
    الجميع يستطيع التذوق ومن الطبيعي أن يتكون لدية رائي. وذوق الفرد يؤثر على أنتاج المجتمع، في حاله زيادة عدد الإفراد كان التأثير أقوي بتشكيل ماحولهم بغض النظر عن السلب أو الإيجاب، الممثل يعلل مايقوم به "المخرج عاوز كده" والمخرج: "الجمهور عاوز كده" بقى الذوق هو المحرك الأساسي هناء.. على الأقل.
    ~
    أذا كان كل شئ نسبي يعتمد على حكم الفرد وتقييمه من منظوره الخاص ولا يوجد ذوق واحده يتفق عليها كل الناس. ولا كل متذوق هو ذواق يستطيع الوصف بدقة.. يبقى الذوق والخيال والإحساس مجرده من أي قيمة إلا..

    همام العدوي - زائر

    06:19 مساءً 2008/10/23


  • 8
    إلا إذا وضعت تحت إشراف العقل وسيطرته.
    .
    .
    .
    > Clint is the best

    همام العدوي - زائر

    06:35 مساءً 2008/10/23


  • 9
    "كلينت إستود" هدوء فنان ممثل ومخرج و منتج ومؤلف موسيقى حاضرين على الدوام في دخل شخص واحد ممكن نقول عنه (مجموعة إنسان). وهدوء "بروس ويليس" هدوء أجوف ألا من جلد الذات على فراق زوجته "ديمي مور" كان الله في عونه وينطبق عليه الوصف (بقايا إنسان).
    ملاحظة: إذا كان الفلم المقصود بالمقالة The Bridges of Madison County كان عمر البطل 65سنه كاسر المقولة أن الإبداع له عمر!
    تضل الفنانة هياتم ملكة الإغراء في العالم العربي.. "وتوفيق الدقن" وحش الشاشة و"الجمهور عاوز كده"
    مقال مميز وخميس جميل.. تحياتي لك

    سمير صبري - زائر

    07:04 مساءً 2008/10/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة