
في قصيدتي الشاعر الكوري باك موغوول اللتين نشرتا الأسبوع الماضي عدد من المفارقات التي تنهض عليها شعرية النص وأهميته الفنية بالإضافة إلى شحنته الدلالية. هذا أحد وجوه الالتقاء بينهما. وإلى جانب ذلك يلتقي النصان عند محور أساسي هو علاقة الإنسان بالطبيعة، لكن لكل من النصين أو القصيدتين سماته المغايرة أو استقلاليته الفنية. أقول هذا على بداهته لأن من المتوقع أن تؤدي قراءة النصين، أي نصين أدبيين، معاً إلى التركيز على ما يربطهما أكثر مما يميزهما بعضهما عن بعض، الأمر الذي أتوقع أن يكون حدث لبعض من قرأ النصين مثلما حدث معي أثناء القراءة الأولى ثم الترجمة.
في القصيدة الأولى "دفن" نجد دلالات سياسية قد تكون محتملة أكثر منها مباشرة. لنستعد الأسطر الثلاثة الأولى من تلك القصيدة: "التفكير في الأشياء/ التي تندفن تحت الثلج/ ضمن السياج الحديدي لمنع التجول". الجملة هنا غير مكتملة البناء، فالجملة تشكل مبتدأ لخبر غائب، أو خبراً لمبتدأ غائب، ولو اكتملت الجملة لكانت شيئاً مثل "يقلقني التفكير في الأشياء..." أو "التفكير في الأشياء.... يقلقني" أو ما يشبه ذلك. إن الواضح من هذا البناء اللغوي، وهو ما يصدق أيضاً على القصيدة الأخرى، هو غياب المتكلم، فليس هناك متحدث بضمير المتكلم. ومن ناحية أخرى يتضح أن البناء اللغوي للقصيدة، وهو بناء مجتزأ أو ناقص، كما لاحظنا، سمة شائعة في قصائد الشاعر الكوري. لكن هذا الاجتزاء ليس المصدر الوحيد للغموض. هناك مصدر آخر يتمثل في مفردة مثل التي تعني "منع التجول" وهي "كيرفيو" curfew التي قد تحمل على دلالتين: إما منع التجول الناتج عن تطورات عسكرية أو سياسية كالتي تحدث أثناء الاضطرابات الأمنية أو الانقلابات، أو أن الأمر ببساطة لا يعدو أن يكون ناتجاً عن عاصفة ثلجية تؤدي إلى منع التجول للحفاظ على الأمن والسلامة.
الشيء نفسه يمكن أن يقال عن الدفن والنسيان الرقيق. فما الذي يدفن الآن تحت الثلج، هل هو السياج الحديدي حول المنزل وبقية الأشياء المتناثرة في الخارج، أم أنه دفن ذو دلالات أبعد: دفن جريمة مثلاً؟ أو دفن شواهد ليس من المرغوب أن تبقى؟ هذا الاحتمال الأخير يجعل النظافة في السطر الثالث ساخرة. لنستعد الجملة الثانية في النص: "سهولة الدفن/ والنسيان الرقيق/ يجعلان العالم أنظف". لكن الدلالة الأولى غير الساخرة تظل قائمة، أي أن الثلج حين يهطل ويغطي الأرض ببياضه الرقيق يخلق جواً من النظافة الناصعة ويملأ الأرض بالنسيان. وربط الثلج بالنسيان ليس جديداً، ففي "الأرض اليباب" ل ت. س. إليوت نقرأ عن "الثلج النسّاء" (بتشديد السين) أي الذي يسبب النسيان، لكن استحضار إليوت يستحضر أيضاً الدلالات السلبية للنسيان في قصيدته فهو في تلك القصيدة الشهيرة ثلج يؤدي إلى إخفاء الانهيارات الإنسانية الأخلاقية والسياسية التي تعم الأرض اليباب.
في بقية نص الشاعر الكوري يتبين أن ما يدفنه الثلج هو السياج الحديدي المرتبط بمنع التجول: "يتوغل السياج تحت الثلج/ ويسقط في النوم". فلعل المقصود هو أن ثمة ذكرى لعهد من القيود والحصارات بل الموت (منع التجول، السياج، الدفن) جاء الثلج ليدفنه. ومما يعزز ذلك الأسطر الأخيرة أو الجملة الأخيرة من القصيدة: " الخطوط البيض للقيود ترتخي/ متوارية فوق الحجاب،/ ويأتي الصباح/ بخطوات دون صدى". كلمة "قيود" في ترجمتي قد تكون قوية إذا قورنت بالكملة الإنجليزية (rules) التي يمكن أن تترجم إلى قواعد أو تعليمات أو ضوابط، ومع أن هذه كلها تدور في فلك واحد فقد رأيت أن الدلالة تسير باتجاه الشدة والعنف فاخترت "قيود" لتعميق الدلالة (وهنا مثال للترجمة التفسيرية بشكل واضح أو حاد). وقد فعلت الشيء نفسه في كلمة "يسقط" ضمن عبارة "يسقط في النوم"، حيث تعمدت أن أترجم حرفياً عبارة (fell asleep) التي عادة لا تعني أكثر من "نام" فهي مجاز مألوف لكني رأيت أن استخدام السقوط في المجاز مهم للتذكير باحتمالات العنف في وجود السياج أصلاً.
لكن لو عدنا إلى "قيود" سنجد أن من المشروع أن نتساءل: أليس وجود كلمة تعني ضوابط أو قواعد أو ما إلى ذلك يصب في النهاية في الاتجاه نفسه، أي أننا لا نتحدث عن هطول بريء وعادي للثلج؟ إنه هطول يذكر بوضع غير مريح، وضع كانت فيه القيود أو الضوابط شديدة. تلك القيود أو الضوابط تتراخى الآن، بل هي في طريقها للاضمحلال والنسيان وثمة صباح يخطو آتياً بعهد جديد غابت عنه أصداء الماضي.
هذه قراءة محتملة في تقديري، لكنها بالتأكيد ليست الوحيدة فقد كتب النص بعناية تجعل تعدد التفسيرات محتمل، ولعل هذا بحد ذاته جزء من المشكلة، فقد يكون الغموض ليس فنياً بقدرما أنه تهرب من عين الرقيب الذي عرفته كوريا في فترة الحكم العسكري، الفترة التي عاشها الشاعر في العقود الثلاثة الأخيرة من حياته، أي منذ الخمسينيات التي شهدت الحرب الكورية وحتى انتهاء ذلك النوع من الحكم في نهاية الثمانينيات.
النص الشعري الثاني يتحرك ضمن الاستراتيجية نفسها وإن حمل مضامين مختلفة. ولعل الرابط الأول بين النصين هي الخطوات التي ينتهي بها النص الأول ويبدأ بها الثاني في عنوانه. غير أن الافتراق بين النصين واضح أيضاً في أن قصيدة "دفن" تنتهي بالصباح، في حين أن الثانية "آثار خطى" تبدأ بالمساء. التشبيه الذي يدخل به المساء القصيدة جميل لأنه دقيق أولاً في اقتناص ألوان المساء الغامقة، ولأنه يمهد للنهاية الدامية في النهاية والعنب من أقرب الفواكه لوناً إلى الدم: "يأتي المساء بلون العنب/ نحو خط الجبهة المغطاة بالثلج". نحن مع العنف إذاً منذ البداية وعلى الرغم من حضور اللونين الجميلين والمتقابلين لون العنب ولون الثلج. لا التباس هنا في احتمالات العنف والأبعاد السياسية، كما يؤكد السطران التاليان: "ضمن منطقة التماس/ تتجول الثعالب بأنوف متجمدة". الثعالب حيوانات تمارس حياتها العادية غير عابئة بمشاكل الإنسان، بحروبه وخطوط جبهته أو مناطق تماسه، كما هي منطقة التماس المشهورة بين الكوريتين، الشمالية والجنوبية. لكن السؤال هو: لماذا الثعالب تحديداً؟ هل هي الصورة التقليدية التي صنعها الإنسان للثعلب الماكر؟ هل هو الثعلب السارق إذ تغفو عين الحارس أو الناطور (كما في بيت المتنبي: نامت نواطير مصر عن ثعالبها/ فقد بشمن وما تفنى العناقيد؟) أم أن للثعالب دلالة مختلفة في الثقافة الكورية تبتعد بالدلالة عما ألفنا هنا؟ في بقية المقطع يقول الشاعر إن الثعالب "تنسج طرقاتها بين الأشجار/ ثم تختفي فوق منبع الجدول" وليس في هذا ما يريب باستثناء ربما الحركة الالتفافية أو النسيجية التي تتبعها الثعالب والتي جلبت لها صورة المكر والخداع في المقام الأول. في الصورة التالية تختفي الثعالب ليأتي طائر التدرج الذي يبدو وكأنه جاء ليكون النقيض للثعلب. فالتدرج طائر ملون بعيد عن المكر وأهم من ذلك طائر شهير ومفضل عند صيادي الطيور، أي أنه رمز الضحية الساذج: " يرفرف طائر التدرج مقلعاً باندهاش/ من أجمة مشتبكة". هذا الطيران "من أجمة مشتبكة" قد نحتاج إلى أخذه على محمل غير المحمل الظاهر، أي أن نفسر الأجمة المشتبكة بوصفها تحمل إيحاءً بالمصيدة أو بما يشبه السياج في القصيدة الأخرى "دفن". بل إنها المصيدة تحديداً إذا تذكرنا الشبكة التي سيرد ذكرها بعد قليل. في "آثار خطى"، كما في "دفن" يقبل اليوم التالي حاملاً الضوء والخطوات التي تحمل هنا آثار أقدام الإنسان وليس الصباح. إننا نتهيأ لشبكة يحملها أو يسحبها فريق بحثي ،(search party) لكن إذا كان الثعلب وطائر التدرج قد فرا من تلك الشبكة فإن ثمة من لم يستطع، فهاهي الثمار اللبية (mountain berries) تقع فريسة لخطوات الإنسان اللامبالية بعد أن خنقتها الشبكة فتفصد دمها وأطلقت صرخة مكبوتة، صرخة لا يسمعها سوى الشاعر. ولكننا إذ نسمعها الآن فإننا مطالبون بوضعها ووضع الثمار نفسها في سياق دلالي إنساني، سياق يعيدنا إلى العنب في بداية النص، بل إلى خطوط الجبهة ومنطقة التماس وما تحمله هذه من إيحاءات الدمار والدماء. فريق البحث الذي قتل الثمار مهيأ للدخول في قتل من نوع آخر تقطر منه دماء من نوع آخر وتتفجر منه صرخات من نوع آخر أيضاً، صرخات أعلى وأوضح من أن تحتاج إلى شاعر يسمعها أو قارئ يفسرها.