والتعجّل في العمل عندنا ليس مقصورًا على المسلسلات الرمضانية، بل إن بعض البرامج الأخرى لاتعدّ عملها إلا قبل وقت قصير، فيقوم المعدّ بالاتصال على أقرب شخص ومطالبته بالمشاركة بعد دقائق. وهناك من ينجح بالصدفة ولكن تظل احتمالات الفشل واردة.
والمثال النخبوي للتعجّل يمكن ملاحظته من خلال تأليف الكتب والبحوث العلمية، فالكتاب عندنا يمر في الغالب بمرحلتين: الأولى مرحلة الكتابة التي يقوم بها المؤلف، والمرحلة الثانية هي عملية الطباعة التي تتولاها المطبعة أو دار النشر. ولهذا نجد أغلب الكتب تعجّ بالأخطاء الطباعية واللغوية والمنهجية، ولاينجو منها إلا عدد قليل. ولو تساءلت عن سبب وجود تلك الأخطاء لقيل بأنه لم يتيسر وقت للمراجعة، بل إن هناك من يبرر الأخطاء اللغوية في متن الكتاب بأنها شيء طبيعي ومقبول بسبب وجود أخطاء في اسم المؤلف وعنوان الكتاب في مؤلفات أخرى؛ وهذا تبرير يعتمد على مقارنة المستوى المتواضع بالمستويات الرديئة، وهو مثل الذي يفتخر أنه ليس كائنًا غير آدمي.
وفي المقابل، لو نظرنا إلى آلية النشر في أمريكا على سبيل المثال، فإن طباعة الكتاب تمر بعدة مراحل طويلة: تبدأ بالمؤلف الذي ينجز البحث، يعقبها مرحلة التحرير التي يقوم بها شخص أو أكثر حيث يعاد تشكيل الكتاب وفق نظرة جديدة وتُصوّب الأخطاء؛ وتمر هذه المرحلة بنقاشات مطولة مع المؤلف لكي ينفذ الملاحظات المقترحة أو يبحث عن محرر آخر؛ لأنه لايوجد أحد يقبل نشر كتاب بدون محرر. وبعد ذلك تأتي مرحلة الاتفاق مع وكيل نشر من إحدى المؤسسات المعتمدة، والوكيل يعرض الكتاب على قارئين يحكّمانه ويقدّمان ملحوظاتهما للمؤلف، وإذا اتفق المؤلف مع الوكيل، يستطيع الوكيل الآن التفاوض مع دار النشر. والوكيل هو الذي يختار دار النشر المناسبة، وهو المخوّل الوحيد للتفاوض بشأن تحرير المادة وتنقيحها مع دار النشر، وبعض دور النشر لاتعتمد على قرار الوكيل، بل ترسل الكتاب إلى محرريها الذين يضعون الكتاب في صيغته النهائية قبل أن يخرج للجمهور. وإذا خرج الكتاب يكون مستوفيًا للمواصفات العلمية والفنيّة المطلوبة التي تجعله يستحق العناية والتقدير. ويجب الاستدراك، بأن هذا العمل المتواصل والمكثف لايعني تأخير الإنجاز ولكنه يعني مزيدًا من التجويد والصقل والإتقان.
ومن سنحت له الفرصة أن يعيش في بلدان غير شرق أوسطية ربما يلاحظ أن الناس أكثر هدوءًا وأقل تعجلا وتزاحمًا من المناظر التي اعتدنا عليها في بلداننا العربية. قد يكون لهذا النمط من الشخصية عوامل بيئية فمنطقتنا معروفة بمناخها شديد الحرارة في الصيف والبرودة في الشتاء، وهذا له تأثير سلبي على المزاج. وكذلك قد يكون النظام الاجتماعي سببًا في ذلك؛ فالسرعة وتخليص الأمور يعتبران عند البعض "قرامة" أو "شطارة" و"فهلوة". يضاف إلى ذلك أن نظام الأسرة السعودية يتكون من عدد كبير من الأفراد؛ وهذا يجعل الأطفال يحاولون الحديث سريعًا وبصوت مرتفع حتى يسمعهم آباؤهم من بين صراخ إخوتهم وأخواتهم. زد على ذلك بأن الأنظمة والقوانين تسمح بالفوضى ولاتعاقب من يتسبب بها، فكم مرة كنت في طابور طويل وأتى شخص من الخارج وتخطّاك وتكلم مع من كنت تنتظر الحديث معه ورغم ذلك أخذ ما أراد قبلك ومشى!