• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 263 أيام

حول العالم

لماذا لا تضيّفني في منزل والدتك !؟

فهد عامر الأحمدي

    قبل سنوات كتبتُ مقالا بعنوان (لا تذهب للعاصمة) قلت فيه أن السياحة الحقيقية (التي تتضمن سبع فوائد) تقتضي التعرف على عامة الناس ومشاركتهم حياتهم اليومية وليس الاكتفاء برؤية المظاهر المادية المخادعة في المدن الكبرى.. فحين يقتصر وجودك على (العاصمة) وحين تسكن دائما في (خمس نجوم) فأنت كمن يحبس نفسه في قفص ذهبي ويكتفي برؤية القشور الخارجية من البلد- وبالتالي قد ترى فرنسا ولكن لن ترى الفرنسيين - ..

وأنا شخصيا أجد متعة كبيرة في الخروج من العاصمة (بكل ضجيجها ومظاهرها المنافقة) واستغلال أقرب فرصة لمغادرة الفندق والتعرف على الناس والبلدات البعيدة - حيث لا تجد سعودياً أو خليجياً واحداً..

وخلال الإجازة المنصرمة مررت بتجربتين جميلتين من هذا النوع الأولى في مصر والثانية في أندونيسيا.. ففي مصر سرعان ما تعرفت على سائق تاكسي يدعى كريم تشعب معه الحديث إلى الفول والطعمية وبراعة المصريين في طبخ "الملوخية".. وحين تورط بقوله "مفيش في مصر كلها حد يعمل الملوخية زي مراتي" فاجأته بقولي "خلاص خليني اتغدى عندكم عشان أشوف بنفسي".. ورغم ملامح الدهشة التي ارتسمت على وجهه (وهي اللحظة التي أحبها فعلا) إلا أنه رحب بأن يضيّفني فورا واتصل بزوجته ليخبرها بأن معه ضيفا يفضل "الملوخية البلدي" على البوفيه المفتوح في فندق الجزيرة سوفتيل !

.. أما تجربتي الثانية فكانت بعد أسبوع في جاكرتا حيث بدأت رحلة آسيوية شملت بالي وهونغ كونغ والصين. وجاكرتا بحد ذاتها مدينة مزعجة - لا تختلف كثيرا عن مدن آسيا الحديثة - ولا تروق سوى لعشاق الفنادق ومجمعات التسوق.. غير أنني سرعان ما تعرفت على مرشد سياحي يدعى كلي (وأظنه يقصد علي) أخذني في باص سياحي لرؤية معالم المدينة.. وخلال هذه الجولة لفت انتباهي قوله إنه ليس من جاكرتا وإنه سيذهب غدا لقضاء إجازته في منزل والدته في القرية..

وكما فعلت مع سائق التاكسي فاجأته بقولي "مارأيك أن تضيّفني في منزل والدتك؟".. ومرة أخرى ارتسمت معالم الدهشة - وربما الصدمة - على وجهه ولم يفهم كيف يترك أحدهم فندق جراند حياة (حيث الغرفة بألف ريال) ويذهب لقرية منسية ومنزل لا يملك دورة مياه...

ولكنها بالنسبة لي كانت فرصة حقيقية للذهاب الى حيث لم يذهب سائح قط ورؤية أناس لم يروا شخصا غريبا في حياتهم.. وحين دخلنا القرية بعد ست ساعات أدركت أنني اتخذت القرار المناسب حيث تجمع حولي الأطفال وكأنني مخلوق غريب هبط للتو من الفضاء الخارجي (بل كانت هناك طفلة حاولت مرارا لمس ذقني كونها لم تر في حياتها انسانا يملك شعرا في وجهه)..

وخلال الأربعة أيام التي قضيتها في هذه القرية (التي تدعى سوسوكان) زرت خمسة بيوت مختلفة (بما فيها منزل الإمام وشيخ البلد) وخضت بقدمي أحواض الأرز الطينية وقدت الدراجة النارية لأول مرة في حياتي.. وما أثر بي فعلا أن حالتهم الاقتصادية والاجتماعية - ذكرتني بأيام جدتي حيث كان الناس أكثر تواصلا وطيبة وبراءة ولا يلبس أي منهم نظارة طبية.. ورغم نومهم في وقت مبكر ، ورغم صياح الديك المتواصل ، ورغم انعدام وسائل التكييف (حيث لا يسمح التيار بتشغيل أكثر من لمبة صفراء) إلا أنها كانت تجربة جميلة لا تنسى - ولا تقارن بصخب الصوت والصورة الذي رأيته بعد ذلك في هونغ كونغ وشنغهاي - !!

... ولمن يتساءل عن سر هذه العادة القديمة أشير إلى أنه حتى سن الثانية العشرة كان من الطبيعي أن نضيّف (في منزلنا بالمدينة) حجاجا وزوارا من جنسيات مختلفة.. واليوم.. حان الوقت لمعاملتي بالمثل !



عدد التعليقات : 131
الصفحات : 1   2   3   4   5   6   7   >>   عرض الكل
  • 1

    كلام رائع.. عندما كنت في ماليزيا خضت نفس التجربة وقمت بزيارة عائلة سائق التاكسي الذي كان يقلنا وكانت تجربة رائعة.

    Haya Suliman,,London (زائر)

    04:03 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    اشكرك اباحسام على هذا المقال الرائع
    لكن الا تتفق معي ان الذهاب لمثل هذه القرى يعد مخاطرة الى حد ما وفي اغلب دول العالم يقل مستوى الامن كلما تدنى المستوى المعيشي والاقتصادي لاهل البلد.
    تحياتي لك وبانتظار المزيد من ابداعاتك

    عبدالعزيز (زائر)

    04:09 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    أستاذي فهد وعزيزي أنا أقراء لك منذ سنتين تقريبا و تعجبني مواضيعك كثيرا التي تطرحها وتشركنا المتعة معك بقراءتها لأننا نشاركك ثقافتك باطلاعنا على خلاصتها هنا منذ أعوام ومن ذلك أنني ذهبت معك بفكري ومشاعري إلى حيث قضيت أنت صيفك ومن هنا تأتي أهمية ( لماذا لا تضيفني في منزل والدتك ) ؟ ! فمعرفة الناس ومشاركتهم ورؤية واقعهم هو ثقافة وبيانات عنهم وعن بقعتهم التي تخفى على من لم يسعفه الحظ في معاينة ذلك... من ناحية أخرى أريد أن تجمع مقالاتك في كتاب يحمل اسمك بجدارة وتحمله أنت باسمك لألبابنا... شكرا

    علي (زائر)

    04:14 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    درر يابو حسام دايما متميز ماشاالله عليك مواضيعك مميزه وجميله اشكراك والله لايهينك.

    الميمونى من الشمال (زائر)

    04:29 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    كعادتك
    مقال شيق ورائع يجبرك على قراءته حتى النهايه..يعطيك ربي ألف عافيه

    نجديه (زائر)

    04:29 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    مقالة رائعة بمعنى الكلمة
    ماشاءالله تبارك الله
    كأنك تتحدث عن أحد احلامي
    كثيرا ما أتمنى مثل هذه الرحلات
    لكن لأني امرأة (وسعودية) لايحق لي أن أرى الا مايراه غيري من السياح (هذا ان حصل السفر من الأصل)

    خلود.. (زائر)

    04:36 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    استاذ كم اتوق لإخوض نفس تجربتك , فعلا فيها كثير من الاثارة

    عمر عبدالله عمر (زائر)

    04:45 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    اتمنى لك المزيد من التقدم.

    بنت الرياض (زائر)

    04:46 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    مااجمل ملامسة الواقع بتجرد بعيداً عن البهرجه والمظاهر الخداعه
    مغامرتك أستاذي تدل انك فعلاً رجل ذو حس رفيع تحب المغامرة والسياحه بحق وأكتشاف المعالم بطبيعتها الحقيقيه بعيداً عن التمثيل..كُن كما كنت مميز//محبك.. سليمان شعيب الثنيان..رفحاء

    سليمان شعيب (زائر)

    04:52 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    أتمنى أن يعمم المنطق على بعض السعوديين المبتعثين الذين يتوارون عن السكن مع عائلة في بلدان دراستهم. إنها تجربة مفيدة و ثرية جداً.

    عبدالمحسن (زائر)

    05:00 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    الحمد الله على سلامتك. لكن الهاجس الامني هو الي يخلي الواحد يتردد في الذهاب الى مثل هالاماكن. تحياتي

    turki m (زائر)

    05:01 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 12

    ه
    صباح الخير
    رائع منك هذا التواضع
    مقال جميل أعادني للوراء كثيراً
    تحياتي

    فوز (زائر)

    05:12 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 13

    حلوة التجربة..

    فهد حسين (زائر)

    05:13 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 14

    دا ئما متألق
    استمر

    كالبحر قلبي (زائر)

    05:14 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 15

    والله فكرتك رائعة يا أستاذ فهد /
    وأنصح الجميع بهذه الفكرة، أتركو المدن وأذهبو إلى القرى الصغيرة عند سفركم للخارج..

    جاسر الضويحي (زائر)

    05:27 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 16

    الذي يميز هذه الطريقه هو الخروج عن المألوف
    شكرا ابا حسام

    سعود (زائر)

    05:34 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 17

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. صباح الخير يا عزيزي ابوعامر.
    ما شاء الله عليك يا إستاذي حتى في الثقافة السياحية تملك الكثير وتعجبني هوايتك في السفر وهي الوصول ورؤية أشياء لم يراها اي سائح. وصدقت في أن أغلب السياح يعشقون الفنادق و المجمعات التجارية والشوراع المليئة بالبشر. هل تعرف ماذا أتمنى الآن ؟؟
    الشرف بالسفر معك !!!
    تقبل تحياتي وإمنياتي لك بالتوفيق يا عزيزي.

    ابوعمار (زائر)

    05:35 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 18

    هذى هي السياحة المطلوبة... ولكن المشكلة اذا كانت معك العايلة اللي ما يعرفون الا سياحة الاسواق والملاهي

    ابو كريم (زائر)

    05:35 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 19

    مبدع كالعادة

    ABO JASM النصراوي (زائر)

    05:39 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 20

    أنا انشالله بعد ثلاثة أيام مسافر وأنا قليل السفر أصلا,وقبل يومين تذكرت مقالتك "لا تذهب للعاصمة" وفتحتها في موقع الرياض هنا وذاكرتها جيدا!
    على كل حال,ما فعلته انت-رغم انها فكرة خلاقة وغريبة-ولكن صعب اسويها
    لأني راح اخاف يكون الماء ملوث أو الاكل مو نظيف والاحتياط واجب..وأتذكر اني ذهبت مرة إلى أحدى الدول العربية,واستضافوني أهل الريف (وكانوا أهل كرم وجود) وكنت آكل الغدا واشعر بالغثيان(الله يعز النعمة) لأنه بعد أن فتح لي أحدهم قنينة الببسي فرك يده كلها عدة مرات على فمها (قصده ينظفها)!

    نايف - الكويت (زائر)

    05:45 صباحاً 2008/10/15

    ابلغ عن هذه المشاركة

الصفحات : 1   2   3   4   5   6   7   >>   عرض الكل



التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات





حول العالم

فهد عامر الأحمدي