من قال أن الأزمة المالية التي يشهدها العالم لن تؤثر على الشرق الأوسط؟!.
في الحقيقة، سيكون لهذه الأزمة المالية تأثير كبير ليس على اقتصاديات المنطقة فحسب، بل على أوضاعها السياسية بشكل أهم. الخسائر الجمة التي تتكبدها الاقتصاديات الغربية الآن قد لا يكون لها تأثير دراماتيكي على أسواق المال في الشرق الأوسط، وقد يقتصر تأثيرها على بعض البنوك والشركات العقارية وبعض استثمارات الصناديق السيادية في الخارج، ولكنها بالتأكيد ستحدد مصير النمو الاقتصادي، وبصورة أكثر أهمية المناخ السياسي للثلاثة أو للخمسة أعوام القادمة.
لا يمكن الاستهانة بالتقلبات الاقتصادية لأن لها تأثيرا مباشرا في الحياة السياسية للدول. خذ على سبيل المثال الأزمة الراهنة، بعض المسئولين الماليين يقولون لك أن الأزمة المالية حاليا هي عبارة عن نقص في السيولة النقدية، وبما أن لديهم وفرة منها في الأسواق المحلية فليس ثمة مشكلة، ولكن هذا الكلام غير دقيق.
تأمل معي، دائما ما تعمل البنوك عبر إقراض الأفراد والمؤسسات لآجال طويلة، فيما توفر السيولة لذلك عبر الاقتراض القصير الأجل بين بعضها البعض ومن خلال الودائع، ولكن حين لا تستطيع البنوك توفير السيولة فإنها لاتستطيع الاقتراض أو بيع سنداتها مما يؤدي إلى تعثر البنك، وحين تتعثر البنوك فإن الأفراد والمؤسسات يعمدون إلى سحب ودائعهم أو بيع السندات خشية انهيارها، وبالتالي يسقط النظام المصرفي.هل تنتهي الأزمة هنا؟ لا، فانعدام مصادر الإقراض يحرم المؤسسات والشركات الكبرى من السيولة الرخيصة لارتفاع الفائدة، وبالتالي توقف الشركات مشروعاتها وكذلك طرح منتجاتها الجديد، وتسرح الموظفين لتقليل الإنفاق. الأثر الكبير على الإقتصاد سيكون في صورتي التباطؤ الشديد، والارتفاع الحاد في التضخم، مما يعني أن المواطن ربما يفقد وظيفته، أو يواجه أسعارا مرتفعة، أو يعجز عن تحقيق أمنياته في بيت أو سيارة لارتفاع الفوائد. إذا فشلت سبعة بنوك أمريكية وأوروبية خلال أقل من شهر، فإن المؤسسات المالية لدينا ستتأثر لا محالة، حيث يوجد أكثر من 1.26تريليون دولار من الأموال الخليجية في تلك الأسواق.
في ثلاثينيات القرن الماضي، كان للكساد العظيم الذي بدأ في الولايات المتحدة ثم انتشر إلى بقية الأسواق العالمية تأثير كبير على الأوضاع السياسية، إذ دفعت الأحوال الاقتصادية المتردية (وهي مزيج من التضخم الحاد، ونقص السيولة النقدية، والبطالة المفرطة، وانعدام النمو) الملايين حول العالم إلى تحميل الحكومات في بلدانها المسئولية، وفي أقل من خمسة أعوام سقطت أكثر من 20حكومة حول العالم إما بأيدي انقلابات عسكرية (أمريكا اللاتينية)، أو عبر صناديق اقتراع (غرب أوروبا) حسمت الجولة فيها للنازيين والفاشيين في ألمانيا وإيطاليا، وصعدت بالجبهة الشعبية الاشتراكية إلى الحكم في فرنسا. كان للكساد العظيم تأثير كبير على الأحوال الاقتصادية والتموين في عموم الشرق الأوسط، ويمكن وصف تلك المرحلة بأنها واحدة من أكثر المراحل عجزا في موازنات دول المنطقة، حتى أنه في الكويت صدر مرسوم أميري بمنع ارتداء البشوت لارتفاع أثمانها على الناس، وتم تحديد الحصص التموينية في عدد من البلدان العربية.
طبعا، الأزمة المالية الراهنة ليست شبيهة بالكساد العظيم، ولكنها جزء من سلسلة انتكاسات تتعرض لها الأسواق العالمية من خمسة إلى ثمانية أعوام كما يشير الخبراء. فمنذ السبعينات شهدت الاقتصاديات الغربية لحظات تراجع في (1973)، و(1978)، و(1982)، و(1988)، وهكذا دواليك. أما في أمريكا اللاتينية فكانت أزمة القروض المالية هي الأعنف في منتصف الثمانيات، ثم تعرضت اقتصاديات الدول اللاتينية (لاسيما البرازيل) إلى أزمة بين عامي 1994- 1998، ومثل ذلك الاقتصاديات الآسيوية التي تعرضت لنكسة حادة نهاية التسعينات بعد عقدين من النمو الاقتصادي المضطرد. ما هو مهم، أنه في كل أزمة مالية تحدث انتكاسات سياسية كذلك، ونشهد تراجعاً كبيراً في مستوى الحريات، وانبعاثا أكبر للتيارات المتطرفة سياسيا ودينيا، ويكفي للقارئ الاطلاع على لائحة طويلة ضمتها دراسة مارك غاسروزكي عن "الأزمات الاقتصادية وتغيير النظام السياسي" (مجلة العلوم السياسية الأمريكية، ديسمبر 1995).
هل الرأسمالية هي السبب؟ أم الخلل في التدخل الحكومي في الاقتصاد؟
لا تكاد تحدث أزمة اقتصادية إلا وينهال اللوم على النظام الرأسمالي الذي يحكم الأسواق العالمية، وحتى في أعرق البلدان ليبرالية - كفرنسا - يطالب الرئيس ساركوزي بإعادة النظرفي النظام الرأسمالي، فيما انهالت كلمات القادة السياسيين - المعارضين لأمريكا - في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، محملين واشنطن تبعات الأزمة المالية العالمية. فكل من الرئيس الإيراني نجاد، والبوليفي إيفو موراليس، والفنزويلي هوغو شافيز، كلهم شنوا حملة انتقاد - لا تخلو من شماتة - تجاه الولايات المتحدة والعالم الغربي، وللفلسفة الرأسمالية التي توجههم.
المثير للسخرية، أن البلدان التي تنتقد النظام الرأسمالي الحالي - كالبلدان المذكورة - ربما تكون أكثر البلدان المعرضة للتأثير السلبي لهذه الأزمة بسبب سياساتها الاقتصادية، فبحسب تقرير أعدته مجلة الإكنوميست ( 4أكتوبر)، فإن اقتصاديات إيران وفنزويلا ستتضرر كثيرا من الأزمة المالية، إذ تعتمد هذا البلدان على عائدات النفط لتمويل لائحة مشترياتهم من الأسواق العالمية، ونظرا لاعتمادهم آلية دعم حكومي للسلع والخدمات مرتفعة للغاية فإن هذه الدول ستواجه عجزاً كبيراً في موازناتها خلال الأعوام القادمة، وحتى لو عولت تلك الدول على مداخيل النفط فإن عوائدها إن لم تتراجع بسبب انخفاض الطلب على الطاقة - أو ثباته على الأقل - فإن تراجع الدولار، العملة الرئيسة للاحتياط المالي، وارتفاع فاتورة الاستيراد الباهظة سيكونان كفيلين بإبطاء النمو الاقتصادي في تلك البلدان.
كما ترى، لا أحد ينجو حين تتعثر أسواق المال العالمية، يستوي في ذلك الرأسماليون ومنتقدوهم. بيد أن المهم هو الانتباه لتأثير التحولات الاقتصادية على الأوضاع السياسية. إذ انحسار السيولة المالية وتراجع النمو، وارتفاع نسب البطالة والتضخم، كل تلك المؤشرات ستحدث أجواء سلبية لدى بلدان المنطقة، إذ ستضطر حتى البلدان الغنية إلى تقليل الإنفاق الحكومي، وإعادة ضبط موازناتها لتصحيح التضخم المحلي - والمستورد - ، ونحن نشهد حاليا آثار مباشرة في أسواق المال الإقليمية لأزمة الأسواق المالية الغربية، ولن نلبث أن نرى الانعكاسات السلبية للمؤشرات الاقتصادية على المناخ السياسي في المنطقة.
إذ تعاني عدد من الدول العربية من تضخم حاد في اقتصادياتها، وقد تدفع الظروف الاقتصادية بالبعض إما إلى التقارب مع أنظمة سابقة كانت نائية عنها لظروف اقتصادية، أو تخفيف الإنفاق على مجموعات ومنظمات موالية في بلدان أخرى. ليس هذا فحسب، إذ قد يتسبب الركود في الأسواق العالمية إلى لجوء بعض الدول إلى البحث عن مصادر تسلح رخيصة، أو الاعتماد على منفذي مشروعات محدودي المستوى. المشكلات قد تأتي في هيئة امتعاض شعبي تجاه سوء الأحوال الاقتصادية نتجية لتراجع الإنفاق الحكومي. وسيكون من المثير مراقبة تغير السلوك السياسي لعدد من بلدان المنطقة نتيجة للظروف الاقتصادية.