نحن الآن في قلب الأزمة المالية الخانقة، والمتضررون منها ليسوا شريحة معينة فقط تطال أصحاب الرساميل الكبيرة من بنوك وشركات ومؤسسات مختلفة، بل دخلنا المنطقة الحرجة والخطرة جداً على مدخرات المواطنين بمختلف شرائحهم ومستوياتهم عندما وصلت أسعار الأسهم الآن إلى القاع، ودواعيها على صغار المستثمرين أصبحت كارثية، لأنها تعني الإفلاس التام، وما لم تفصح كل دوائر المال عن عمق المشكلة وتلزمها الدولة بذلك، فإن الشكوك وعدم الثقة سيُضاعفان المأساة على معظم طبقات المجتمع..
هناك تردّد بالنسبة لتقويم مستقبل شركات البتروكيماويات، ومستقبل أسعار النفط والاستثمارات الخارجية من قبل البنوك وغيرها، وخاصة ما كررنا السؤال عنه عن صناديق معاشات التقاعد، والتأمينات الاجتماعية وغيرها، وما لم يكن الإفصاح واضحاً، كاشفاً لكل الحقائق، فإن مضاعفات الأزمة ستتوسع إلى ما هو أخطر من إعلان الإفلاس العام في وقت متأخر..
هناك ملايين المواطنين الذين اندفعوا لقطاعات الأسهم والاستثمار فيها، ومع حالات الانهيارات والتلاعب بها من قبل مضاربين فإننا لم نسمع عن إجراء موضوعي يحل لغز السوق، والآن تحول خط النزول الحاد إلى درجة الكارثة التي تنذر بتحولات اقتصادية واجتماعية تمس كل الشرائح، وهذا يعني خللاً في بنية المجتمع الذي لا زال يعاني من نقص الوظائف، واكتمال التعليم، والسكن والصحة، وإذا ما أضيف إليها ذهاب هذه المدخرات، والزيادة الحادة في السكان وتوفير مستلزمات الحياة الكريمة، فإننا نواجه مشكلة لا تقتصر على نوعية معينة بل كل طبقات المجتمع كلٌّ بنسبة خسائره من الحالة القائمة.
الدولة هي الضامن والمراقب والمشرّع، وإذا كانت دخلت مرحلة التدخل المباشر، فعليها بوسائلها الخاصة دفع جميع المرتبطين بالقضية للإفصاح التام عن الأسباب وبشكل سريع حتى تغلق منافذ الأقوال وتنامي الشكوك لأن الحذر أمام الحالة الاقتصادية غالباً ما يجعل الإشاعة وحدها انهياراً في الأسواق وهو ما حدث لدول عديدة..
هناك من الحلول ما أخذت به أوروبا وآسيا من ضخ أموال في شرايين المؤسسات المالية، وإضافة سيولة تعيد التوازن لحالات النزول المستمر، وهناك، مثل الحالة الروسية، التي أوقفت تداول الأسهم، وحتى لا نفقد توازن سوقنا فإن الضرورة تحتم موقفاً ملائماً يعيد بعض الثقة للمتداولين ويُطمئن أصحاب الأسهم الصغيرة بعدم تضررهم بشكل مأساوي، وحتى لا نتباطأ في الحلول أو نُخضعها لجملة أفكار مترددة ثم نجبر في النهاية على خوض معركة غير متكافئة عندما تفصح الشركات والبنوك العالمية عن خسائر المستثمرين العالميين ونجد أنفسنا جزءاً من القائمة، فإن المسارعة بالإيضاح تجعلنا أكثر كفاءة مع مواقفنا وأكثر إنصافاً لأنفسنا..