من يعرف الحياة الواقعية في أمريكا، لايستغرب بروز سيدة متواضعة القدرات العقلية ومحدودة المعرفة وتكاد تكون معدومة من الحكمة والمهارة القيادية، وهي السيدة سارة بالين، المرشحة لمنصب نائب الرئيس الأمريكي القادم. ورغم أن هذا أمر مؤلم ومزعج أن يرى العاقلون هذا الصنف الرديء يتقدّم ويقود سواه، ولو واتته الفرصة لحكم وسيطر على البقية من المتميزين الذين لايعلم عنهم أحد.
برز اسم هذه السيدة لوسائل الإعلام بعد ترشيح الجمهوري جون ماكين لها لتكون نائبته في حال فوزه في الانتخابات ضد السيناتور باراك أوباما في مطلع شهر نوفمبر القادم. ورغم صغر سنها ( 44سنة) إلا أنها أم لخمسة أطفال، وهذا معدل غير طبيعي في نظام الأسرة الأمريكية المتحضرة، ورغم أن هذا العدد يكاد يكون مقبولا عند الأسر المحافظة في ولايات الجنوب وووسط الشرق من المزارعين ورعاة الخنازير غير المتعلمين إلا أنه يعتبر نوعاً من عدم الاهتمام بالأسرة عند كثير من الناس من المتعلمين في الولايات الشمالية والغربية. ومن ينجب هذا العدد من الأطفال وفق الثقافة الغربية يعد مفرّطًا في حق رعاية أطفاله، ويستدل على إهمال السيدة بالين أن ابنتها البالغة من العمر 17سنة حامل خارج نطاق الزواج قبل أن تصل السن القانونية للبلوغ.
وقد عُرف عن السيدة بالين تديّنها المتطرف الذي يوصف بأنه تدين أعمى، فقد صرّحت بأن قتل العراقيين وأطفالهم إنما هو استجابة لأمر إلهي، وعرض لها مقاطع وهي تستجيب لمشعوذ يسعى لاستخراج الجن من رأسها ويحاول طرد الأرواح الشريرة منها؛ وهي من النوع الذي يؤمن بالخوارق والغيبيات الوهمية، وهذا جعل البعض يعتقد بأنها ستحكم أمريكا عن طريق السحر والقوى الخارقة. يصفها الإعلامي الشهير السيد بيل مار بأنها "امرأة غبية وخطيرة على المجتمع الأمريكي وعلى العالم".
وقد استغلت جهل المصوتين المحافظين في ولاية ألاسكا، وهم في الغالب من المزارعين ورعاة الخنازير والأبقار، بأنها جاءت إليهم باعتبارها هبة من الله لكي تحل مشكلاتهم من خلال التوجيهات الربّانية التي تتلقّاها، ورشحت حاكمة للولاية قبل سنتين.
وقد أزعج المتابعين للمناظرة أنها حينما لاتفهم السؤال تطوف بكلام عام عن خبرتها وعن الطاقة وعن ألاسكا فيما لا صلة له بالسؤال المطروح عليها. ولم تستطع كبح جماح رؤيتها المتطرفة أثناء المناظرة التي عقدت بينها وبين السيناتور جوزيف بايدن يوم الجمعة الماضي، لكي تكرر أنها مواطنة تحب أمريكا لأن ابنها يقاتل الآن في العراق، وكأنها ترى أن قيام ابنها بذبح العراقيين في بلادهم هو أمر يدعو للفخر.
هذا الصنف موجود في أمريكا في أوساط العامة وأنصاف المثقفين، ولكن هؤلاء لهم تأثير سياسي قوي لأن أغلب المصوتين ممن يذهبون إلى صناديق الاقتراع ويقفون في الطوابير وسط الثلوج والمطر هم من هذا الصنف، في حين يبقى المثقفون والمتعلمون في بيوتهم لأن أغلبهم لايهتمون بالتصويت. ولهذا يبرز أمثال سارة بالين وقبلها السيد جورج بوش، مقابل صمت البقية ممن رسموا القيم المثالية في النظام الأمريكي.
ويعد الإيمان بالخوارق والخرافات من السمات الغالبة على عدد من سكان تلك الولايات، وقد مررت بتجارب كثيرة معهم حينما كنت في جنوب إنديانا وأوهايو وأوكلاهوما ممن يعرفون شعبيًا ب"أصحاب الرقاب الحمر". فذات يوم أصبت بصداع وعدت أسأل السكرتيرة إن كان لديها مسكّن للألم، فسألتني عن السبب وأخبرتها بالصداع، فقالت إنها لاتملك هذه الأدوية لأنها لاتؤمن بها، فضحكت قائلا إن عدم الإيمان بالأدوية لايخلصنا من استخدامها لأن المرض لن يرحمنا. فقالت إن لديها علاجًا فعالا وسهلا، ثم هاتفت امرأة أخرى تعمل أمينة مستودع قريب، وماهي إلا دقائق حتى حضرت عجوز نشيطة، وما أن رأتني حتى رحّبت بي قائلة إن الربّ يريد حفظك، وتفاجأت بها تصرخ وتنادي شيئًا مجهولا بأن يخرج ولايعود. سألتها مع من تتحدث فلم تردّ علي، وفيما بعد عرفت أنها تعتقد أن ألم الرأس إنما هو مس من الجنّ، وتؤمن بأنها تشفي الأمراض عن طريق ملاحقة الجن ومحاصرتهم على الجدران وفوق الأخشاب وعلى أغصان الأشجار.
واكتشفت فيما بعد كثرة أشباه تلك المرأة حينما قمت بعمل ميداني يتطلب فيه البحث مقابلة الناس والجلوس معهم ومناقشة قضايا يؤمنون بها وأخرى ينكرونها وثالثة لايفهمونها وتسجيل تصرفاتهم ورصد ردود أفعالهم ومقارنتها بتصوراتهم الشعبية للحياة للخروج بالأنساق التي تحكم رؤيتهم للكون. والواقع أن أغلبية هؤلاء يمكن وضعهم في تصنيفات نمطية عقلية ذات مستوى مابين المتوسط والمتدني، مع دعم أيديولوجي يقود ذلك الفكر للإيمان بسلوك معين. فالقول مثلا بوجود إرادة إلهية لتبرير القتل أو الاغتصاب أو السرقة أو أي نوع من الاعتداء هو سلوك موجود وغير مستبعد من تلك العقليات.
وحينما استمعت إلى كلمات السيدة بالين وتصريحاتها وتابعت مناظرتها التلفزيونية لم أجد فيها فرقًا كبيرًا عن تلك العجوز التي تطارد الجن والعفاريت في الشوارع وتتخيل ماتريد تخيله من منطلق أنها تتصرف وفق إرادة إلهية عليا. ولهذا أجد أن آمال الأمريكيين الشرفاء وأحلام محبي قيمهم الرفيعة في البلاد الأخرى ستذهب إلى الحضيض لو فازت هذه السيدة ورئيسها، وستكون أمريكا والعالم من حولها في خطر حقيقي ربما يتجاوز ما لوّعتنا به إدارة بوش الابن من مصائب ونكبات اكتوى بلهيبها الجميع.