بحث



الاحد 5 شوال 1429هـ (حسب تقويم أم القرى )- 5 أكتوبر2008م - العدد14713

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
الكود الثقافي السعودي

ناصر الحجيلان
    السلوك الذي تمارسه مجموعة متجانسة في بيئة معينة خلال تعاملاتها اليومية هو مايعرف بالكود الثقافي (Cultural Code)، الذي تكوّن بفعل التنشئة الاجتماعية. وهذا الكود هو الذي يميز المجموعات عن بعضها في عدة مظاهر كاللغة والإيحاءات الرمزية والإيماءات الجسدية وطرق التفكير.

وتساعد معرفة هذا الكود على تحديد انتماء الشخص أو تصنيفه في نمط معين أو الحكم عليه، فعلى سبيل المثال، من خلال اللغة في مستواها المحكي نعرف جنسية الشخص أو منطقته أو انتماءه البيئي؛ ومن خلال حركة الجسد للشخص يمكن التعرّف على سماته الحسية أو العقلية، والأمر نفسه بالنسبة لمجمل السلوك الإنساني المادي أو المجرد.

والكود الثقافي له ثلاث طبقات متمايزة بحسب طبيعة مكوّنات الكود وحدوده، تمثل الطبقة الأولى مجموع السمات الحسيّة البارزة كما في اللباس أو الطعام أو اللهجة أو بعض الطقوس والعادات الخاصة. والطبقة الثانية من الكود هو ما تكون سماته متداخلة بين العناصر الحسية والمجردة، كعبارات التحية، وطريقة المشي، وطريقة الضحك وأنماط الأكل، ومجمل حركات الجسد؛ وهذه تتطلب خبرة وجهدًا في سبيل تمييزها. أما الطبقة الثالثة من الأكواد الثقافية فهي تلك الأكواد الخفيّة التي لاتدرك بسهولة كالتي تتعلق بقيم التعامل الأخلاقية كالاحترام أوالجرأة أو اللباقة أو الثقة أو مايضاد ذلك كالإهانة والاستهتار والنفاق والغرور.. إلخ.

ويُكتسب الكود بشكل طبيعي من خلال التعايش الاجتماعي، وتؤكد الدراسات في علم دراسة دلالة اللغة الطبيعية واستخدام دلالتها ثقافيًا فيما يعرف بالبراغماتيك (Pragmatics) أنه كلما صغرت مكوّنات الكود وقلّت عناصره كان أكثر دلالة على النمط بسبب صعوبة محاكاته ممن هم من خارج الثقافة فضلا عن فهمه.

ويمكن ضرب مثال يوضّح الكود الثقافي المحلي من خلال تجربة فتاة سعودية من قريباتي، وُلدت ودرست بعض مراحل التعليم العام هنا، وعاشت في بيئة سعودية 100% مع والديها وإخوتها وأخواتها، وسافرت في مرحلة المراهقة إلى أمريكا وأكملت تعليمها هناك حتى حصلت على درجة الدكتوراه. وكانت تشعر دائمًا أنها سعودية وحينما عادت إلى الوطن وبدأت ممارسة العمل في الرياض مع زميلاتها وفي مجتمعها وقعت في مشكلات كثيرة بسبب عدم فهمها للكود الثقافي الذي يتعامل به الناس هنا. ومن ذلك، أنها تمشي على طبيعتها بشكل طلق تاركة لرأسها العنان للاتجاه نحو الطريق وليس صوب الأرض، وسؤالها عن أي شيء لا تفهمه بلا تردد، واعترافها مباشرة بأنها لاتعرف مالاتعرفه، وصدقها في حديثها وكشف أخطائها لمن حولها إن وقعت في خطأ، وصراحتها في عدم اهتمامها بموضوع معين قيد النقاش، واعتذارها عن بعض الدعوات التي لاتناسبها، ورفضها الإجابة عن سؤال شخصي معتبرة أنه أمر خاص. فوجدت فهمًا خاطئًا ممن حولها من السيدات على اعتبار أنها متغطرسة أو أنها غير سعودية الأصل. كما وجدت مشكلة في التعامل مع الرجل، فهي تتصرف على فطرتها، فمثلا إذا دخلت في مبنى عام كالمستشفى فإنها اعتادت على أن تمسك الباب لإتاحة الفرصة لمن كان خلفها للدخول لكي لايغلق الباب في وجهه، ورغم أن وجهها مغطّى بالكامل وهي ملتزمة أخلاقيًا إلا أنها تتفاجأ أنّ من فتحت له الباب إذا صادف وكان رجلا يظل يتبعها معتقدًا أنها معجبة فيه. وإذا تطلب الأمر أن تتحدث مع رجل في الهاتف، فهي تردّ بشكل طبيعي بالترحيب أو تنهي المكالمة بعبارة "سمع السلامة"، ولكنها تتفاجأ بعد ذلك أن بعضهم يعيد الاتصال بدون سبب ويسألها أسئلة شخصية مثل هل هي متزوجة وكم عمرها..إلخ؛ وكأن عدم تشنّجها أثناء المكالمة جعل ذلك الرجل يشعر أنها ربما تستلطف الحديث مع الرجال، مع أن ذلك يخالف طبيعتها.

ولا يقتصر الأمر على هذا اللبس من طرف المجتمع؛ بل إن تلك الفتاة فهمت بعض تصرفات المجتمع بشكل غير دقيق. فعلى سبيل المثال، حينما تكون بصحبة أخيها أو زوجها تجد أنها حينما تسأل البائع عن بضاعة فإنه يوجّه الإجابة إلى الرجل الذي معها صارفًا النظر عنها؛ فتشعر بالمهانة لأنها تعتقد أن البائع يراها أقل من أن تُخاطب في حين أن البائع يفعل ذلك من باب احترامها وتقدير من معها.

ويوضّح المثال السابق فاعلية الكود الثقافي وأهميته في الانسجام داخل المجتمع بوصفه العامل الأساسي الذي يدخل الفرد أو يخرجه من الانتماء للمجموعة. كما يبرز مثال تلك الفتاة درجة من صعوبة فهم الكود لمن لم يعش الثقافة المحلية ويدرك أبعاد السلوك المحيط به. ولابد من الإشارة إلى أن الوعي بالكود مرتبط بنمو القدرات الإدراكية في السلوك البشري التي تعتبر مبرمجة ثقافيًا من خلال العناصر والتركيبات السلوكية التي تنتشر شيئًا فشيئاً بواسطة جزءين: أحدهما الجزء العصبي/ العضلي للإنسان، وهذا مستقل عن التعلم، والجزء الآخر هو العناصر التي صُنعت على فترات طويلة بواسطة التعلّم الإرادي وغير الإرادي.

17 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


والله جالس ترسم اللي اشعر به قبل عودتي للسعودية..
قبل لا أتي الى امريكا كانت خايف من امريكا والصدمة.. لكن بعد ان بقيت لاكثر من ثلاث سنوات.. صرت خايف من الصدمة الثقافية السعودية.. علما بأني لم امضيت طول عمري بالسعودية..
جميل اننا نتأقلم مع النظام الامريكي والاحترام وحسن النية، ومتعب جدا ان نتأقلم مع الفوضى والا مبالاة والكذب وعدم الاحترام في السعودية..
اعاني الامرين من الوضع هذا.. ومن أجل هذا افكر في الاقامة في امريكا.. : )
عبدالعزيز - امريكا


عبدالعزيز
ابلاغ
04:14 صباحاً 2008/10/05

 


مقال أكثر من رائع أستاذي العزيز ناصر
والحقيقة ليس فقط بالنسبة للبنت فالولد يواجه نفس المشكلة لأني أذكر مرة رجعت للسعودية في إجازة الصيف وحينما كنت أبتسم في وجه من أراه امامي وأمسك الباب لمن هو خلفي والاستئذان من الاشخاص الموجودين في مقهى حينما أريد ان اعمل حاجة قد تزعجهم لقد كانت علامات الدهشة على اوجههم وأذكر أن كنت بمطار الملك خالد مرة من المرات وقد كنت أبتسم لمن يمر بجانبي وهي وجوب الابتسامة وانت في مجتمعهم فبادرني هذا الرجل بالسؤال هل أعرفه أم لا؟ وهي المفترض أن تكون أبرز سمات مجتمعنا


محمد الناصري
ابلاغ
04:28 صباحاً 2008/10/05

 


شكرا لك يادكتور على طرح مثل هذه المواضيع الهامة..وما أود أن أضيفه هنا أن بعض الدول المتقدمة تحرص على تدريب ممثليها في السفارات على معرفة (الكود) بطبقاته المتمايزة التي ذكرتها.(وياكود كود السعوديين).
أخيرا هل نضيف كلمة ( كود) إلى الكلمات التي عجزت لغتنا أن تجد ترجمة مناسبة لها ؟.
تقبل تحياتي.


أبومؤيد
ابلاغ
04:53 صباحاً 2008/10/05

 


لا أعلم يا عزيزي فيما إذا كان هذا المصطلح نتاج تعاملك مع شريحة كبيرة من الأفراد أم هو مصطلح شائع قد تعارف عليه الجميع فيما سبق وفي كلا الأمرين أثار إعجابي كونه جمع صفات الفرد من مزايا أو عيوب اكتسبها من محيطه والبيئة التي نشأ فيها وإتيكيت تعامله مع الآخرين في كلمتين فقط "الكود الثقافي"
مقولة:
إن أفضل مكافأة لعمل الانسان هي ما يتوصل إليه بعمله لا ما يحصله..!!


هناي/د
ابلاغ
05:58 صباحاً 2008/10/05

 


مقال جميل، ولكاتبنا القدير أجمل تحية.


سعد الزمالي (طالب دراسات عليا)
ابلاغ
07:02 صباحاً 2008/10/05

 


شكرا جزيلا...موضوع شيق مع طرح يستحق الإشادة..دائما تتحفنا بأفكار متنوعة و اسلوب كتابي سلس خال من التعقيد..في نظري المتواضع أعتبرك من الكتاب الأكثر تميزا في الفترة الأخيرة... لدي سؤال : هل يستطيع الإنسان أن يتخلص من أو يفقد كود ثقافي معين كان قد إكتسبه في إحدى فترات حياته؟
وفقك الله لما يحب


Riyadh
ابلاغ
08:50 صباحاً 2008/10/05

 


لا أستطيع إلا أن أقول أنت رائع ياالحجيلان رائع وتستحق الشكر لما امتعنا وافدتنا به في هذا المقال المتميز جدا
وفقك الله اخي


أبو مرام
ابلاغ
09:54 صباحاً 2008/10/05

 


مقال رائع.. شكراً للفائدة التي أفدتني بها أخي ناصر.. سأنقله إلى خزانة مقالاتي لأتغطرس به أمام الزملاء.. تحياتي لك


أحمد
ابلاغ
09:55 صباحاً 2008/10/05

 


يعيطك العافية وفقك الله وكل عام وانت بخير


س أبو ساق
ابلاغ
10:37 صباحاً 2008/10/05

 10 


شكرا جزيلا لكاتبنا العزيز
بالنسبة لفكرة الكود الثقافي اتفق معك في المضمون
ولكن تمنيت ترجمة كلمة الكود الى لفظ اخر اقرب الى فهمنا
فمالكلمات المرادفة للكود؟
كنت احبذ استخدام اي كلمة اخرى بديلة
وعموما
في المثال المذكور بيان وتوضيح والفكرة واضحة
فلك مني الف تحية


راشد بن فهد
ابلاغ
11:42 صباحاً 2008/10/05

 11 


مقال جميل وقضة مؤثرة والله يعينها على التأقلم والتعايش مع إني اشك أي شخص بهذه الصفات سيجد الراحة هنا


عادل
ابلاغ
12:10 مساءً 2008/10/05

 12 


الله يعافيك
ويجزاك الف خير
بصراحة ميزة مقالاتك هي التنوع
مابين الجانب الاجتماعي
والجانب الثقافي والجانب النفسي
لك الف شكر


ابو عمرو
ابلاغ
12:15 مساءً 2008/10/05

 13 


دكتور ناصر
مقالة رائعة
وهي تعبر عن معاناة داخلية على المستوى الفكري والمستوى النفسي والمستوى السلوكي
ويبدو ان مظاهر تلك المعاناة متعددة وغير محصورة في أولئك الاشخاص الذين تعلموا خارج البلاد ثم عادوا ولم يستطيعوا التأقلم مع عادات وتقاليد بلدهم..
بل إن الانتقال من مكان لاخر في المدينة نفسها يحدث مثل تلك المعاناة وإن كانت بنسبة أقل...بل إن البعض يشعر بالغربة بين أهله وذويه..
وهذه مشكلة واقعية وحقيقية تحتاج إلى علاج ثقافي قبل العلاج الاجتماعي والنفسي..
كانت المقالة ممتعة كما تعودنا على ذلك


د. فهد السلطان
ابلاغ
12:42 مساءً 2008/10/05

 14 


المثال الذي ذكرت يعتبر معاناة عنيفة لهذه المراة فالله بس يعينها ويساعدها على الحياة في هذا البلد الذي اذا ما اندمجت فيه سحقك ودمرك.
شكرا لك على هذه السياحة الفكرية الممتعة والجميلة.
وعيدكم مبارك


أبو عبدالرحمن
ابلاغ
01:40 مساءً 2008/10/05

 15 


شكرا جزيلا ومعلومات قيمة
والكود في القرية غيره في المدينة
وعند البادية غيره عند الحاضرة
وهكذا


amal ali
ابلاغ
03:30 مساءً 2008/10/05

 16 


أعجبني في المقال أن الكاتب قد قام بشرح مختصر لما يريد الحديث عنه، ثم أعقب ذلك بمثال واقعي.
أشكر الكتاب على الأسلوب الواضح في إيصال المعلومة وعلى المعلومات القيمة أيضاً.


عبدالمجيد الخالدي - كندا
ابلاغ
07:18 مساءً 2008/10/05

 17 


شكرا لك وأعتقد ان الكود أفضل من كلمة الشيفرة
هذا بالنسبة للكلمة
أما الموضوع فجميل ووضاح


عثمان
ابلاغ
11:44 مساءً 2008/10/05


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية