انتشار الصيدليات.. بين الربح الفاحش وحلاوة الإصدار!!
عندما تحدث متغيرات في أي نشاط اقتصادي لابد أن تكون هناك أسباب رئيسة تقف خلف تلك المتغيرات والتي غالبا ماتعود الى جوانب تنظيمية او مالية استجدت في ذلك النشاط، وإذا ركزنا على احد الأنشطة التي غلب عليها الطابع الاقتصادي مؤخرا كالصيدليات فإننا سنجد إن هناك متغيرات كبيرة حدثت في هذا النشاط وكانت محل استغراب الجميع، فالانتشار الكبير للصيدليات على شوارع مدننا كان سريعا وبمواصفات جديدة وبمساحات كبيرة أجبرتنا على التساؤل عن الجدوى الاقتصادية من ذلك الانتشار ومن المستفيد منه؟
فعندما نتجول في شوارع مدننا سنلاحظ أن هناك صيدليات متجاورة جديدة قد تم افتتاحها على نفس التقاطع او بجواره ولاتبعد تلك الصيدليات عن بعضها إلا عشرات الأمتار، وجميع تلك الصيدليات مستأجرة لكامل الدور الأرضي للمبنى الذي تقع به والذي عادة مايكون ما بين ( 5أو 6) محلات تجارية كبيرة وبأسعار عالية وبإنارة وتكييف كامل ويعمل بكل صيدلية (اثنان) صيدليان وعامل واحد على الأقل لكل فترة عمل (المناوبة) على مدى (24) ساعة، أي أن هناك تكاليف مالية ثابتة تتحملها كل صيدلية تبيع أدوية مسعرة من وكلاء الأدوية بالإضافة الى مستلزمات اعتدنا على شرائها من الصيدليات، فما الذي أغرى تلك الصيدليات على فتح فروعها بتلك الطريقة التي في ظاهرها غير اقتصادية ؟
إننا لو دققنا أكثر بمن يمتلك تلك الصيدليات سنجد أن أكثر من صيدليه تحمل نفس الاسم واللون ولكل منها رقم كفرع لها، وبجوارها صيدليات أخرى بنفس الاسم ولكن بلون مقارب للصيدليات الأقدم! اكرر أكثر من صيدلية لنفس المالك وبشكل مجاور لصيدلياته والصيدليات الأخرى! وهناك صيدليات أخرى باسم آخر ولوحة مختلفة ولكن مالك هذه الصيدليات يمتلك صيدليات أخرى اشتراها وأبقى على اسمها القديم! وعندما نرى ذلك الحجم من تلك الصيدليات نتساءل هل أرباحها مغرية ليقوم مالك كل صيدلية بافتتاح أكثر من فرع على نفس التقاطع؟ كيف نصدق إن أسعار الأدوية مسعرة من الوكلاء وبهامش ربح قليل لتلك الصيدليات ونحن نرى فروعها بمساحات كبيرة تستلزم مصاريف عالية؟
إذا كانت هناك متغيرات تنظيميه قد حدثت للسماح بافتتاح صيدليات عديدة بشكل متجاور لمراعاة النمو بالمدن، وان تطبيق التأمين الصحي له علاقة في هذا الانتشار، فإننا قد نقبل ذلك جزئيا لتبرير وجود صيدليتين او ثلاث بشكل متقارب، ولكن عندما نجد احد الصيدليات الكبرى تفتح فرعا لها على احد التقاطعات الذي تم وفق دراسة جدوى اقتصادية مبنية على حجم الحي والحركة التجارية والصيدليات الموجودة بالحي، فإننا لانستطيع استيعاب أن يتم بعد أسابيع افتتاح عدة صيدليات كبرى بعضها يمتلكها شخص او جهة واحدة، ولنرى في محيط محدود أكثر من (10) صيدليات كبرى! فكيف تمت الدراسة لتلك الجدوى ولماذا نسمح بإلحاق الضرر(إن كان هناك ضرر) لصاحب الصيدلية الأولى؟ واذا بحثنا في طبيعة نشاط الصيدليات وكيف تحقق الأرباح فان ذلك يتحقق اما بسرعة دوران راس المال من خلال رفع معدلات البيع او بزيادة هامش الربح في كل عمليه بيع، ولأن تلك الصيدليات رابحة في ظل عدم ملاحظتنا لازداحامات شديدة على جميع تلك الصيدليات في معظم الأوقات ولكون أسعار الأدوية محددة من قبل الوكلاء فان هناك من يربط بين ذلك الانتشار والزيادة الكبيرة التي حدثت في أسعار الأدوية وحليب الأطفال قبل عامين! وهذا يتطلب من الجهة المختصة التأكد من عدم تحميل المواطن بهامش الربح الكبير (عمولة البيع) الذي تحصل عليه تلك الصيدليات من قبل تجار الأدوية وحليب الاطفال والمستلزمات التي تباع بالصيدليات ومكنتها من الاستمرار في تحقيق ارباح جيدة في ظل منافسة شديدة بكثرة الصيدليات وتوزع قوى الشراء بينها! وهذا خلاف ما نشاهده أيضاً من تفاوت أسعار حليب الأطفال مثلا بين صيدليات متجاورة وبفارق سعري كبير يؤكد عدم وجود رقيب! بل إن بعض الأصناف التي تباع في المحلات الأخرى نجد أسعارها اقل من أسعار بيعها بالصيدليات! فتعدد وجود الصيدليات لايوفر المنافسة إذا كان مالكها واحداً والمصدر الذي تشتري منه واحد ! ثم لماذا نجد ذلك الانتشار المتعدد في بعض المدن بينما تخلو مدن كبرى من ذلك التنوع بين الصيدليات وكأن هناك امتياز لأحدها؟
ومن جانب آخر لو نظرنا الى التزامن بين انتشار الصيدليات وتحول نشاطات تجارية بسيطة الى كيانات كبرى كشركات يمكن طرحها للاكتتاب بعلاوات إصدار عالية فان عملية نشر تلك الصيدليات عنوة سيبرزها ككيان يمكن ان يحول لشركة مساهمة تدرج بسوق الأسهم ويروج لها كفرصة استثمارية للمواطنين مثلما تم في شركات تعمل في أنشطة أخرى انتشرت فروعها بشكل مفاجئ وبطريقة الاستئجار قبل انكشاف الهدف من ذلك بطرح (30%) منها للاكتتاب وبعلاوة إصدار بررت بالانتشار وعدد الفروع! وليكتشف الجميع بعد عدة أشهر الهدف النهائي من ذلك وهو إكمال بيع ملاك تلك الشركات لمعظم أسهمهم للمواطنين بفعل المضاربات وبأسعار خيالية وليتحول أصحاب الشركة والإدارة الى صغار الملاك (بيان الملكية بموقع تداول يثبت ذلك)! والنشاط الكبير في الصيدليات مؤشر على تكرار تلك العملية لتحويل عدة ملايين الى مليارات وتحت شعار زيادة عمق السوق بمجموعة شركات "شكلية" على غرار شركات التأمين!! فالهدف من انتشار تلك الصيدليات بالشكل الذي نشاهده الآن لايتفق مع أي جدوى اقتصادية او تنظيم للأنشطة بمدننا فجميع الصيدليات مستأجرة بمبالغ عالية ولاتملك إلا الأرفف الفارغة! وستكشف الأيام حقيقة ذلك الانتشار الذي قد يتراجع بسبب تطورات الأسواق المالية الأخيرة وتأثيره على إغراء الاكتتابات الجديدة! فإذا ألقينا نظرة على بعض الشركات التي طرحت بعلاوات إصدار سنكتشف حقيقة الأصول التي بررت بها تلك العلاوة التي اقبل عليها المكتتبون وربح منها الملاك ورفضها المستثمرون!