لم تأت إعادة الاعتبار لامبراطور روسيا من عائلة (رومانوف) اعتباطاً، لكنها شجاعة من الحكومة الروسية أن تكون الشاهد على خطأ تاريخي اقترفه البلاشفة، وهذا الحق، حتى لو جاء متأخراً وبناءً على مطالبات من الأحفاد لآخر سلالة الحكم، إلا أنه إنصاف للتاريخ، وحتى ما بدر من الفاتيكان عندما أعاد الاعتبار ل "دارون" صاحب نظرية "النشوء والارتقاء" والتي أصبحت في العصر الراهن مجرد كتاب ثقافي نتيجة إبطال العديد من تلك النظرية، إلا أن المسافة التي قطعتها تلك الرحلة ظلت بعيدة، وقد تكون محاولة لكسب الرأي العام الأوروبي الذي لم يعد يعبأ بتعاليم الفاتيكان والذي تنظر له معظم شعوب القارة، بأنه مجرد ذكريات لعالم مضى، ورمز سياحي لا أكثر..
جرائم التاريخ كثيرة انتشرت على مساحات كل القارات، لكن الأمر الأهمّ أن سقوط عروشٍ وممالك ودول ذات أنظمة أحادية، أو دكتاتورية، لا يبرر ما فعلته المرحلة البلشفية، ولعل الوطن العربي، والعالم الإسلامي اللذين استوردا تلك الحالات الدموية يحتاجان إلى أزمنة طويلة حتى يعيدا للآخرين حقهم بالإنصاف على الأقل لحياتهم، حتى لو كانت الأسباب أحدثتها مقتضيات عصور تلك المرحلة، وهذا ما يميز العالم المتحضر عن الآخر الذي لم يستوعب تجارب الماضي والحاضر..
فقد خرجت تواريخ وكتب أزالت كل ما حملته بصمات وإنجازات تواريخ تلك السلطات والحكومات، وقد تكون جزءاً من حقد عام قادته شخصيات تجد الترحيب من قوى الشارع، لكن السير التاريخية لا تموت بفعل يقيّد على رحلة ما، وقد شهد الوطن العربي أن هناك بعضاً من المؤرخين، أنصفَ من كانت تُرسَل عليهم اللعنات والشكوك تبعاً لرؤية مؤرخ ما حكمته المذاهب السائدة آنذاك، أو الانتماءات القبلية، أو الشعوبية التي كانت الميراث المتواتر لمن صاغوا أفكار معظم العصور، وأعطوا أحكاماً جائرة على شخصيات لم تنل حقها من التقويم سواء كان إيجابياً أو سلبياً.
وحتى خلال الخمسين سنة الماضية التي شهدت زوال دول، وبروز أخرى بعضها جاء دموياً والآخر متسامحاً إلى حد ما، لكن مسح حياة تلك المراحل التي تعد قريبة بتجريم البعض تحت مسميات التحرير، وحكم الشعوب، وإقرار الحقوق، استُبدل بحكومات أكثر قهراً وضياعاً للأموال وتدمير آليات الاقتصاد، والتحكم بمشاعر الناس وأفكارهم ومطاردة كل مُطالب بالحرية لزجه بالسجون، وهو ما جعل فتح أرشيف كل نظام للتحليل الموضوعي، قد لا يحدث قريباً لأن سلسلة من أدانوا أو توارثوا تلك الصور، تجعل المواطن المحايد لا يفهم إلا ما حقنته به المراحل السياسية ومن بشّروا بأهدافها وزينوا صورها وألوانها..
هناك من يقول إن التاريخ العربي لم يُكتب، وإن الذين صاغوا مراحله صاغوها لأسباب الغالب للمغلوب، وإنه كُتب بحضرة السلطان، ولعل ما ميز المستشرقين الغربيين رغم بعض الافتراءات التي حكمتها نفس الأسباب الدينية والعنصرية في كتاباتهم، إلا أن الكثير منهم كان متجرداً في طروحاته وأفكاره، والدليل أنها أصبحت مصادر حتى للمؤرخين العرب.
لقد حدثت جنايات بحقوق الكثيرين، ومن الشجاعة أن نعيد لرجال التاريخ حقهم المنصف، لا بتبرير نتائج ما أعطوه، ولكن لإيضاح الحقائق، وهو حق طبيعي لأي أمة تعترف أن ماضيها مقترن بحاضرها، حتى في السيئات والحسنات، وهذا ما حدث في روسيا وغيرها فهل يحدث في أمة العرب والمسلمين؟