د. مشاري بن عبدالله النعيم
مر هذا العيد وأنا مشغول جدا بالعمل، وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي اعمل فيها أيام العيد حتى أنني شعرت أنني معزول عن العالم. على أن أكثر ما أبهجني هذه الأيام أنه كان يعمل معنا (وأقصد هنا في مشروع جامعة الأمير محمد بن فهد في مدينة الخبر والذي سيفتتحه سمو ولي العهد خلال هذا الاسبوع رسميا) مجموعة من الشباب السعودي الذي تابع تفاصيل العمل ميدانيا على مدار الساعة خلال الثلاثة أسابيع الماضية. المتعة هنا هي أنني شعرت بأنه يمكننا أن نعتمد على شبابنا في وقت الأزمات وهو ما حدث ويحدث في الجامعة الآن وأنا أكتب هذا المقال، فمن يتابع العمل ومن يشرف على التنفيذ ومن يقوم بالتنسيق لإعداد الموقع للحفل هم من الشباب السعودي الذين يعملون في الجامعة. المظاهر الجديدة التي لاحظتها هي الالتزام والدقة في العمل والمتابعة الدائمة والتنسيق البيني وهو ما جعلني اتساءل بيني وبين نفسي أين كل هذا طوال العام ولماذا لايستمر هذا الالتزام في العمل والقدرة على الانجاز لدى هؤلاء الشباب. لقد تأكد لي أنه لايمكن لأي بلد أن ينهض دون الاعتماد على ابنائه وهذه حقيقة بديهية لكن يجب إعدادهم من أجل القيام بواجباتهم كاملة وبصورة صحيحة. الأمر بحاجة إلى "تربية ميدانية" لا الى تدريب في الفصول الدراسية وأنا هنا اقترح أن يكون جزء من مناهجنا الدراسية عملا ميدانيا تطوعيا في إحدى المؤسسات الحكومية على أنني لا أعلم ان كانت المؤسسات الحكومية قادرة على التعامل مع الطلاب وتقديم المثال والقدوة الحسنة التي تصنع لديهم مبادئ وقيم العمل والالتزام هذا إذا كانت وزارة التربية والتعليم قادرة أصلا على التعامل مع فكرة "التربية الميدانية" فقناعتي أن هذه المؤسسة لم تنجح في "التربية الصفية" فما بالكم بالعمل الميداني الذي يحتاج إلى جدية وحذق ومتابعة وفيه مسؤولية كبيرة وقد عهدنا في مسؤولي التربية الابتعاد عن تحمل المسؤولية حتى أن الرحلات المدرسية قليلة جدا. ومع ذلك فإن "التربية الميدانية" أعمق بكثير من فكرة "الرحلة المدرسية" وتحتاج إلى استمراية لمدة فصل دراسي ويجب أن تكون مرتبطة بمشروع وبمنجز معين لا بعمل تطوعي لا نتائج له. "التربية الميدانية" يجب أن تشعر الطالب بقيمة العمل عندما يرى النتائج فتترسخ لديه قيم الالتزام ويتولد عنده الشعور بنتائج العمل.
الحقيقة أنني شعرت أن الاسابيع الثلاثة الأخيرة كانت "تربية ميدانية" لموظفي الجامعة الشباب وكلهم يحتلون الوظائف البسيطة لكنهم أثبتوا أنهم قادرون على الانجاز وأنه يعتمد عليهم إذا ماكان هناك عمل تخطيطي منظم وأوكلت لهم مهام واضحة تنتهي بنتائج ملموسة ومحسوسة. ومع ذلك فلا اريد أن ابالغ في النتائج التي حققها هؤلاء الشباب لكني شعرت أنه يمكننا فعل الكثير وتغيير صورة هذا المجتمع بالكامل وبناء بيئة عمل منتجة ترفع من شأن الوطن وتضمن له التوازن الاقتصادي وكل ما نحتاجه فقط تغيير في البيئة التعليمية والعملية وهو تغيير بسيط لا يكلفنا الكثير لكنه سوف يغير صورة "السعودي الكسول" المرفه الذي يعتمد على أسرته في معاشه وإن قام بعمل لا يتقنه ولايشعر بالمسؤولية اتجاهه. هذه الصورة يمكن أن تتغير للأبد إذا ما احسنا التعامل مع "التربية الميدانية" وجعلناها هدفا يجب أن يشكل الفلسفة التعليمية لدينا.
يذكرني هذا الحديث بنقاش طويل دار بيني وبين احد الزملاء الامريكيين فقد كنا في طريقنا للرياض وكان هناك متسع من الوقت للحديث حول كل القضايا التي تخطر على الذهن لكننا عندما أقبلنا على الرياض قال لي فجأة لماذا انتم مصرون على الاعتماد على العمالة الاجنبية فالمدن السعودية لم يبنها السعوديون بل عمالة مستوردة فكيف يمكن للسعوديين أن يشعروا بأن هذه المدن جزء منهم. قلت له إن ما تفكر فيه أمر صعب لكن لابد أن تعلم أنه كان يجب أن تبنى المدن السعودية في وقت قياسي ولم يكن هناك عدد كاف من السعوديين المدربين القادرين على تحمل مسؤولية كبيرة مثل هذه في السابق كما أن كل المدن الكبيرة مثل لندن اعتمدت في بناء انفاق قطاراتها على العمالة من الدول التي استعمرتها والولايات المتحدة الامريكية نفسها بنيت بأيد اجنبية واعتمدت على الهنود الحمر في بناء ناطحات سحابها فأين المشكلة. قال لي اوافقك في الرأي لكن هذا كان في السابق أي انه لم يعد هناك عذر لدي السعوديين كي يقولوا إنهم لايملكون العمالة المدربة، فقد مر وقت طويل على تجربة التعليم والتدريب وآن الآوان أن تعتمد المملكة على ابنائها بشكل كامل وما اقترحه هو أن يتوقف استيراد العمالة الأجنبية لمدة عشر أو عشرين سنة (إلا من بعض التخصصات المهمة والنادرة) ولا يسمح للعمالة الاجنبية بالعمل في السعودية خلال هذه الفترة. هذا القرار سوف يجبر الجميع على الاعتماد على الشباب السعودي، ورغم أن هذه الخطوة سوف ترفع معدل المعيشة وسوف تزيد من الغلاء في البلاد نتيجة لارتفاع الأيدي العاملة، كما حدث في أغلب الدول الأوروبية وحتى تركيا وبعض الدول الأسيوية، إلا أن هذا سوف يغير من صورة المملكة بالكامل وسوف يبني اقتصادها وسوف يزيد من المسؤولية والالتزام لدى مواطنيها. قلت له إنني معك في هذه الفكرة لكني أرى كيف أن وزير العمل لدينا محارب لأنه فقط قنن استيراد العمالة ورفع نسبة السعودة فقال لي المسألة بحاجة إلى قرار حاسم وليس مجرد تقنين ويجب أن يتبع ذلك انفتاح كامل على العمالة السعودية حتى وإن كانت أجورها مرتفعة، يجب أن يتحمل المجتمع كله مسؤولياته وإلا لن يتغير الوضع في يوم، وصدقني بعد أن تعتمد البلد على ابنائها افتحوا مجال استيراد العمالة الأجنبية فلن يشكل هذا خطرا عليكم ابدا. قلت له معك حق فالأمر يحتاج إلى تفكير ويتطلب من المسؤولين اتخاذ قرار حاسم وتحمل الهزة المبدئية لكني على يقين أنه بعد الهزة سوف تنتظم الأمور وتتوازن.
القرار الحاسم في مثل هذه الأمور هو الذي سيصنع "التربية الميدانية" بالقوة وهو الذي سيغير منهج التعليم بالكامل لأنه مهما نادينا ومهما صرخنا فلن يتغير التعليم لأن الحاجة للتغير غير ملحة وغير ضرورية من وجهة نظر البعض. هؤلاء يفتقرون للرؤية البعيدة المدى ولايفقهون في التخطيط ولا يشعرون بالمسؤولية لأنهم لايرون أن نظام التعليم ونظام العمل ينتجان أسرا فقيرة كل عام الأمر الذي يهدد بتحول الفقر إلى ظاهرة في مجتمعمنا كما أنه لايهمهم أن يكون اقتصادنا منافسا ولا يهمهم ماذا سيبقى للجيل الذي سيأتي من بعدهم طالما أن جيوبهم ممتلئة ومستقبل ابنائهم مضمون. الشعور بالمسؤولية المجتمعية هو ما ينقصنا هذا الشعور يتطلب قرارات كبرى واستعدادا كاملا لنتائج هذه القرارات.