د. مطلق سعود المطيري
لدينا قضية معقدة ..
الكاتب، خاصة اذا كان قد اختار لنفسه شكلا من أشكال الكتابة الابداعية، مؤرق دائما بحلم ذاتي كبير، متى يصبح كاتبا عالميا يقرأ له الآخرون عبر عديد من اللغات التي تترجم أعماله؟ وجانب من هذا الحلم يمسنا بلا شك، فنحن أيضا نحلم بأن نقدم كاتبا عربيا إلى العالم الخارجي يعبر عن وجودنا بشكل جميل..
في بحثه عن الدروب التي توجه خطاه إلى العالمية قد يرى أن عليه أن يكون مستوعبا لمنجزات اليوم في الرواية اذا كان روائيا أو في الشعر إن كان شاعرا، آخر ما أخرجته التجربة الانسانية في بلاد العالم المتقدمة التي ترود نشاطات الفن والأدب، وتضخ فيها باتجاهات أو تيارات أو حركات جديدة.. عليه باختصار أن يكون "حداثيا" ينتج على غرار الآخرين، مع أن المسألة ليست هكذا..!
وفي بحثه أيضا عن دروب العالمية قد يصل إلى قناعات مغايرة، فهو قد يرى من نموذج كواباتا مثلا الذي أغرق نفسه في صميم الحياة اليابانية وعبر عنها بصدق فنال جائزة نوبل وقبلها شهرة عالمية طافت الدنيا، أو في نموذج ماركيز والحياة في أمريكا اللاتينية أو كاداريه والطقوس السحرية في ألبانيا وتداخلاتها مع المعتقدات الشعبية القديمة، أقول قد يرى الكاتب الباحث عن أفق أرحب في هؤلاء الكتاب ونماذجهم قناعة تدفعه إلى الغوص للداخل في صميم الحياة العربية والخروج من مغامرته بلآلئ جديدة تعطيه الأهمية والتفرد، وقد يرى أن هذا الدرب هو الأيسر والأسهل والأضمن، خاصة وأن الاطلاع على تجارب الغير تحتاج معرفة مكينة باللغات وثقافات الشعوب، مع أن المسألة - لمرة ثانية - ليست هكذا أيضا..!
لأن المسار الأخير هو الأيسر فقد رأينا عددا مفزعا من الكتاب، سمهم كتاباً لا بأس، ممن لا يملكون أداة الفن أصلا يغوصون بقوة، ليس في صميم الحياة العربية، بل في آبارها الصدئة، فما أن تلمس يدهم "محارة فارغة" حتى يعودوا بها إلى السطح، يملأونها بما شاءوا من الحقيقي والكاذب (الابداع الفني يحتاج إلى قليل من الكذب الجميل لا الفاحش) وبكل ما هو غريب ومثير حتى وإن كان مسخا من نتاج الخيال، ولا بأس من اقحام الجنس فيما لا يتسع له والعنف حيث لا مجال للعنف بأمل الانتشار والذيوع المحلي الممهد لانتشار عالمي عبر الترجمة، ومن الطبيعي أن يلجأ هؤلاء إلى تحفيز الوسائل الاعلامية والاعلانية للترويج..
السؤال المشروع والبسيط هنا : إلى أي مدى يحقق العمل مصداقية تاريخية تتسق ومصداقيته الفنية؟ والاجابة البسيطة أيضا رقم لا يتعدى الصفر بلا مبالغة..!
عندما تعجز هذه الأعمال عن شق طريقها إلى لغة أخرى تقع أحيانا في يد دارس أو باحث أو مثقف مؤرق بتقديم نماذج من أدبنا العربي للقارئ الغربي، كمشروع بروتا الذي كانت قد تبنته سلمى الخضراء الجيوسي مع جامعة الملك سعود (آنذاك)، فان نجت محاولة واعية من هزال أعمال رديئة لم تنج أخرى كان لصاحب العمل نفوذه أو تأثيره عليها، والمحصلة أننا تحت ضغط حلم أن نقدم أنفسنا للعالم الخارجي، أو تحت ضغط إلحاح ودأب الحالمين غير المؤهلين نجد أننا ببساطة قد أفسحنا طريقا لمتحدث رسمي ينطق باسمنا ويقدمنا عبر صور شائهة، هو الذي نصب نفسه لهذا الدور، شئنا أم أبينا، متحدث عنا على الرغم منا..!