أفغانستان..
ووساطة المملكة..
أن يطلب السيد كرزاي وساطة المملكة مع طالبان فذلك أمرٌ حيوي لأن المملكة مع كل خطوة حلّ بشرط أن تكون جادة وملبية لأهدافها، ومحنة أفغانستان طالت وتسرطنت من حالات الاستعمار القديم إلى الاحتلال السوفياتي ثم الدولي، ومعاناة الشعب التي أنهت كل أمل بالحلول الحقيقية جعلته يتشرذم بين انتماءات دينية وقبلية، وبأسباب الفقر صار الاعتماد على زراعة المخدرات حالة واقعية، ورغم بسالة هذا الشعب في الكفاح والنضال إلا أنه لم يوفق بسلطة تضعه على خط المواجهة في خلق بيئة تعايش وطني صحيح بعيداً عن التجارب المأساوية السابقة والقائمة..
المملكة، سبق وأن جمعت شيوخ وقادة أفغانستان وسعت لمصالحات قبل وبعد طالبان ووقفت في الصفوف الأمامية لإزالة الاحتلال السوفياتي، لكنها غالباً ماكانت تفاجأ بأن الرحلة مع الحالة الأفغانية، متوقفة على نوايا القيادات هناك، ويمكن أن تقبل بالطلب الأخير للرئيس كرزاي لكن المغامرة في مثل هذه الوساطة تتطلب قبولاً من كل الفصائل المتنازعة والحاكمة هناك بما فيها طالبان لأن تبسيط الأمور والاعتقاد بأن أي دخول في وساطة كهذه في محيط متفجر وقابل للتصعيد يعتبر مغامرة مجهولة النتائج ومع ذلك إذا كانت النوايا تحقق هذا الهدف فالمملكة ليس لديها الموانع لكنها تخشى تكرار تجاربها السابقة التي أفشلها المتفاوضون أنفسهم، وتصبح الاجتماعات واللقاءات غير ذات جدوى..
صحيح أن الزمن وضع ضغطه على الجميع، ومثل كل الحروب الأهلية والنظامية فإن كل المتحاربين يجدون أن من العبث الاستمرار في لعبة الموت، والحالة الأفغانية هي الأقسى من نوعها، لأن تحقيق أبسط الاحتياجات الأساسية لبلد دمرته الحروب لم تتم، رغم الإمكانات بأن يتحول إلى بلد يستطيع توفير مستلزماته وبناء ذاته طالما كل الظروف تهيئ له ذلك..
ومثلما أصبح العجز الدولي واضحاً في مكافحة الإرهاب في أفغانستان، والإبقاء على حكومة مركزية تؤدي مهماتها بشكل صحيح، فإن بيئة العمل لأي سلطة لن تتمكن من قيادة شعبٍ حوافز الموت لديه أقوى من البقاء، ويقوم بتنشيط هذه الحالات قيادات لا توازن بين مصالحها الذاتية، ومصالح الوطن..
كرزاي حاول أن يوفر سلطة بأبعاد دولة ذات سيادة، أي أن يؤهل وطنه ، لكسب معركة الخلافات، ويضعه في طريق الوحدة الشاملة، وفي وسط الفوضى الراهنة لا يمكن لحكومته أو غيرها أن تبدد المخاوف لبلد احترف الحروب، ما لم تكن الإرادة الوطنية هي التي تكسب شرعيتها على حساب كل الخلافات، وهي مسألة تحتاج إلى وضع آلية بمراحل، تجعل التغلب على الواقع فرضيّة تلتزم بها القيادات الوطنية كلها..
المملكة لا تمانع، ومستعدة أن تكون محايدة، كعادتها في الخلافات الداخلية، ويوضع داخل هذه الجهود أنها ليست طرفاً في تأييد أو معارضة أي فصيل، وأن يكون اللقاء معتمداً على رغبة شاملة من الجميع، ودون عودة لتفجيرات جديدة تعيد الموضوع لنقطة الصفر، ودون هذه الشروط ستظل المشكلة قائمة، ومستحيلة الوصل لما انقطع بين الخصوم، إلا بإرادة يفرض عواملَها مستقبلُ الوطن وأهله..