د. عبد الرحمن الشلاش
يلجأ بعض المتحدثين ممن لا تسعفهم لغتهم الركيكة إلى تسكين أواخر الكلمات هروبا من إشكاليات الرفع والنصب والجر وإيثاراً للسلامة خوفا من احتمالية الوقوع تحت مقصلة النقد الحادة من جماهير الحضور.. وليضعوا تلك الحلقة الجميلة لتزين أواخر الكلمات تحاشيا وتفاديا لمطبات اللحن "الجلي".
بعض المسؤولين والمديرين والذين على رؤوسهم "بطحا".. وباتت أوراقهم مكشوفة.. وتجاوزاتهم واضحة للعيان حتى لمن لديهم قصر في النظر.. وضعف في السمع.. أومن أدركتهم الغفلة.. هؤلاء جميعا أضحوا يطبقون باحترافية بالغة الدقة سياسة التسكين الإداري أملا في البحث عن مخارج السلامة.. وضمانا للحيازة على الرضا التام الذي سيسبغه عليهم منسوبو الدائرة مما يمكنهم من تحقيق أهدافهم المبيتة.. بتكميم الأفواه.. وإغماض العيون بل وطمسها.. والضرب على الآذان كي لاتسمع ولا همساً.
سياسة التسكين الإداري والتي لاتقبل الرفع والنصب والجر.. وإنما تألف "السكون" والهدوء تعتمد في استراتيجياتها على المساواة التامة بين التاعب واللاعب.. فتقارير الأداء الوظيفي "نسخ متطابقة" والانتدابات وخارج الدوام والترشيح لحضور المؤتمرات توزع بين كافة المنسوبين.. ويظفر "المسنودون" وطويلو الالسنة وذوو العيون الحادة والحمراء.. ومن لهم ظهور قوية بنصيب الأسد.. ويوزع الفتات على البقية الباقية من المغلوبين على أمرهم.. ومن لا يحظون بظهور قوية تسندهم وجبال شامخة يتكئون عليها.
إدارة التسكين توزع شهادات التقدير والدروع إن وجدت على الجميع.. وتسعى إلى تهدئة الأمور "ودمدمتها" بإعطاء "المسكنات" عند اللزوم.. المهم "بلاش فضايح".. "وخلوا أمورنا مستورة".. ولتبقى المشكلات مدفونة تحت الركام.. والأمور تسير وفق هذا النهج "التسكيني" كي لا يطير المنصب.. وتخرب "مالطة" في غمضة عين.
الخطط في إدارة التسكين تسلم شكلية وورقية في الغالب.. أما الخطة الحقيقية والتي تتسم بالمرونة اتساقا مع المستجدات ففي رأس سعادة المدير.. وما يحدث خلف الكواليس لا يكاد يصدق.. وكل شيء بين المدير ومرؤوسيه يتم بالاتفاق.. وفي إدارة التسكين تنتشر الواسطة والمحسوبية.. والقفز على الأنظمة واللوائح.. مع ضجيج عال وإنتاجية ضعيفة ومتدنية "أسمع جعجعة ولا أرى طِحناً".
أما المدير نفسه فقليل الانضباط وغير جاد ويعتمد في الغالب على المساعدين.. وتقليدي ولا يميل للتغيير أو التجديد والتطوير.. ويقرب أصحاب النفوذ القوي في إدارته.. ويحتقر الضعاف.. ولا يعترف بأنظمة الرقابة والمحاسبة.. وإيقاع الجزاءات لأن بيته من زجاج.. "وجايب العيد من بدري".. ولذا يتجنب المطبات والتحويلات كلما وجد إلى ذلك سبيلا.
هذا النوع من أخطر أنماط المديرين ونتائج سياسته وعواقبها وخيمة على المدى البعيد كونه يبقي على المشاكل تحت الركام لتكون مهيأة للانفجار في أية لحظة وبالتالي تدمير المؤسسة بالكامل.. ومما يساعد على تفشي هذا النوع وانتشاره ضعف الأنظمة الرقابية والمحاسبية أو غيابها التام.. وبالذات في الإدارات العليا.. وشيوع العلاقات القائمة على المصالح الشخصية.. "وشد لي وأقطع لك".
سيظل مثل هؤلاء المديرين في مأمن وسيستخدمون كل الوسائل التي تؤدي لتحقيق ما يريدون.. وتضييع مصالح الناس مالم نجعلهم دائما في دائرة الرقابة والمحاسبة القوية والجادة.. ونستبعد من لا يصلح.. ونسند الأمر للقوي الأمين.