بحث



الاربعاء 1 شوال 1429هـ (حسب تقويم أم القرى )- 1 أكتوبر2008م - العدد14709

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


مستقبل المصالحات البيروتية

عادل بن زيد الطريفي
    استغرق الأمر ثلاثة أشهر، ولكن النتيجة بدأت تتضح، أو هذا ما نأمله. الفرقاء اللبنانيون باتجاه الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني بعد العيد منذ هجرها قبل عامين، واتفاق الدوحة يدخل مرحلته العملية مع انفتاح شهية المصالحات (الأخوية) بين أقطاب الحكم في لبنان، فالجبل شهد مصالحة بين اللقاء الديمقراطي وحزب الله، والنائب سعد الحريري أحرز اتفاقا رمزيا (ولكنه هام) مع رئيس مجلس النواب نبيه بري يقضي برفع المظاهر الحزبية والصور من بيروت الإدارية وصولا إلى باقي المحافظات والأقضية، فيما وصفت لقاءاته بوفد حزب الله بأنها ناجحة، حتى أن اللقاء بين النائب والسيد قد يحدث في أي وقت بعد العيد كما تشير بعض المصادر، أو متى ما سمحت الظروف الأمنية.

تطور لافت ولاشك في الساحة اللبنانية، ورغم أنه يصب إيجابيا في الصالح العام اللبناني إلا أنه أربك حسابات المراقبين الذين لم يكونوا يتصورون أن تحدث هذه المصالحات بلا مقدمات معقولة، فالصيف كان ساخنا بعض الشيء بفعل توترات الشمال وحادثة إسقاط الطائرة، والخصوم اللبنانيون لم يوفروا فرصة منذ يونيو 2006إلا وكرروا مطالبهم السياسية -واتهاماتهم بالطبع- تجاه الطرف الآخر. ما فات على المراقبين هو استيعاب نتائج 7مايو، اجتياح بيروت، ومراقبة تطورات المشهد الإقليمي.

لقد كتب في الصحافة اللبنانية -وكذلك العربية- الكثير حول مواقف الأطراف اللبنانية، حتى أن بعض الوسائل الإعلامية تسمرت أمام الأخبار الأخيرة، فالخطاب السائد كان يفترض جملة من المعطيات حول مواقف ورؤى تلك القوى السياسية، وما تبين لنا لاحقا هو أن تلك الرؤى لم تصمد أمام ما حدث من مصالحات. كان يقال على سبيل المثال، أن قوى 14آذار لن تقبل بالجلوس لطاولة الحوار ما لم يكن هناك اعتذار -من نوع ما- عن ما حدث خلال احتلال بيروت، ولكن ذلك لم يحدث. كان يقال أيضا، أن حزب الله غير راغب في إجراء المصالحة مع أي طرف إلا بعد إقرار قانون الانتخاب وفق صفقة معقولة بين التيارين، ولكن ذلك لم يحدث. كان يقال أيضا، أنه بوسع أي تقارب بين أحد أقطاب 14آذار أن يفكك تماسك التيار، ولكن ذلك لم يحدث. كان يقال أن تيار المستقبل لن يلجأ للمصالحة إلا بعد اجتماع اللجنة الأممية المكلفة بإنشاء المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري مع نهاية هذا العام، ولكن ذلك لم يحدث. وأخيرا، وربما كان الأكثر أهمية، كان يقال لنا بأن أي اتجاه للمصالحة في لبنان لن يتم ما لم تكن هناك صفقة إقليمية، أو تهدئة واضحة مع الإيرانيين والسوريين، ولكن ذلك لم يحدث.

هاهي المصالحات اللبنانية على قدم وساق بالرغم من كل الحجج المضادة، والبيئة السلبية التي كانت سائدة خلال العامين الماضيين، فمن أين حدث الانفراج؟ ولماذا؟ وما هي نتائجه المحتملة؟

لا أزعم أن هناك إجابة حاضرة الآن لهذه الأسئلة، إذ ما تزال الكرة في حالة حركة، وأطراف الصفقة السياسية لن يتحدثوا -وإن سرا- إلا بعد إعلانها لتبرير خياراتهم. بيد أن هناك مؤشرات هامة لا يمكن إغفالها وقد تدفع بنا الخيوط الأولية للاقتراب من فهم ما يجري، ولعلي ألخصها في نقطتين اثنتين:

- أولاً، من الواضح أن لدى الأطراف كلها رغبة في بدء التعجيل بموضوع قانون الانتخابات قبيل نهاية العام، وحلحلة بعض المسائل العالقة دستوريا وتشريعيا وقانونيا. أما مصدر هذه الرغبة فكامن في حاجة كل تيار إلى معرفة حجم الكعكة التي بإمكانه تقسيمها بين شركائه. وهنا ملاحظة مهمة يقر بها كثير من السياسيين اللبنانيين، ثمة اختلافات كبيرة حول أسماء وحصص كل فصيل سياسي داخل التيار نفسه. فعلى سبيل المثال، هناك خلاف داخل 8آذار بين التيار العوني وسليمان فرنجية حيث يتمسك كل بلوائحه في بعض الأقضية، وكذلك المسألة بالنسبة للحزب القومي والتيار العوني في مناطق تنافسهما مع بعضهما ومع أمل. تيار 14آذار من جانبه تدور بداخله تنافسات وخلافات -وإن لم تكن ظاهرة- بين حزبي الكتائب والقوات حول من يملك حق التعبير عن الطائفة في وجه التيار العوني، كما أن هناك قائمة من الأسماء المختلف عليها بين قادة التيار لاسيما الأسماء التي طرحها النائب وليد جنبلاط. الخلاصة، كل تيار يرغب في تعجيل موضوع قانون الانتخابات أولا، لكي يتسنى له تسوية الخلافات بين أعضائه، وتوحيد البرنامج السياسي للتيار ككل قبل بدء الانتخابات.

- ثانياً، جو المصالحات المفاجئ يؤكد حقيقة أن بعض الأحزاب اللبنانية قد منحت مساحة تحرك سياسي، أو سمة تفويض أكبر، من قبل حلفائها الإقليميين لتسيير العملية السياسية في المرحلة المقبلة. حيث نجد أن حزب الله -على سبيل المثال- كان سباقا للتواصل مع الأطراف الأخرى ومد يد المصالحة، وتفسير ذلك أن الحزب يتحرك بدافع تهيئة الجو أمام إقرار قانون الانتخابات، وإجراء الحوارات الوطنية، لأنه من جهة يرغب في توحيد صفوف التيار من جديد من خلال مكافأة الذين وقفوا معه إما عبر الصناديق الانتخابية أو المقاعد الوزارية وما دونها.

ملاحظة أخيرة، قد تساعد في فهم ما يجري؟.. لقد قلنا ان نتائج 7مايو، وتحولات المشهد السياسي الإقليمي الأخيرة جميعها مسؤولة عن جو المصالحات التي نشهدها والتي قد تحدث لاحقا. اجتياح بيروت فرض شروط قوة على الأرض، وحد من سقف التناطح السياسي الذي لم تكن له أبواب، إذ يدرك الجميع أن احتلالا كذاك ممكن تكراره إذا تجاوز الخصوم حدود الاستقواء الداخلي إلى الاستقواء الخارجي. أما تحولات المشهد السياسي الأخيرة فأهمها انكشاف الرغبة السورية في الجلوس لمائدة المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، ودليل ذلك اللقاء الذي جمع الوزيرة رايس بالمعلم، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوزيرة لم تكن لتخرق الحضر على الجلوس مع السوريين دون أن تكون هناك ضمانات مقدمة من قبلهم. يضاف إلى ذلك، أن الكثيرين لمسوا برود في التنسيق السوري مع حزب الله داخل لبنان، ربما يكون ذلك ظرفيا، أو أنه يعني أن كل طرف بات يمهد للاهتمام بمصالحه أولا.

بقي أن نشير إلى العامل الروسي/الإيراني في هذه القضية، لقد ذكرت بأن حزب الله يتمتع بمساحة تحرك أكبر، ويمكن عزو ذلك إلى أن الإيرانيين لم يعودوا بحاجة إلى إجبار حلفائهم على إبقاء الساحة اللبنانية ساخنة، أو جاهزة لأي تصعيد، فمادام أن الروس سيعملون بشكل واضح على معارضة التشدد في قرارات اللجنة السداسية -حتى وإن صدرت عقوبات هامشية- فإن بوسع الحزب استثمار هذا الوقت لتخفيف الاحتقان، وإلى تحريك الساحة السياسية قليلا. لقد ظل الإيرانيون يدفعون بالحزب إلى معارضة مساعي 14آذار لملاحقة السوريين دوليا، وبما أن سوريا باتت تبتعد عن إيران -تكتيكيا- باتجاه إحداث اختراق للحصار الدولي عبر المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، فإن الإيرانيين سيمنحون حلفاءهم في لبنان الفرصة لتحقيق مكاسب سياسية أكبر على الأرض.

هل تنتج هذه المصالحات خارطة تحالفات جديدة، أم تكتفي بتدعيم وتصفية التحالفات القديمة؟ نحن لا نعرف حتى الآن، ولكن لاشك أن إقرار قانون الانتخابات -رغم كل الانتقادات التي وجهت ضد مشاركة العسكر والحصة النسائية- يكشف عن توافق مصلحي ظرفي يجمع بين التيارين المتنازعين تماما كما كانت الحال عليه مع الاتفاق الرباعي عشية انتخابات 2005، وسيكون من المثير متابعة جو النقاشات والترتيبات التي ستسبق جلسة الحوار الوطني، وما يمكن أن يفرزه البرلمان بخصوص المجلس الدستوري.

نحن ندخل في مرحلة جديدة، حيث بوسع القوى السياسية تحقيق الحد الأدنى من آليات الاستقرار الداخلي بعد تجربة مايو المرة، وأمام هذه القوى نافذة وقت قصيرة، قبل أن تجرفهم رياح التغيير الإقليمية إلى مستنقع أسوأ. فهل ينتهزون الفرصة!

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


فخار يكسر بعضوا.


صورة على صفحة الماء.
ابلاغ
06:12 صباحاً 2008/10/01


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية