بحث



الثلاثاء 1 شوال 1429هـ - 30 سبتمبر 2008م - العدد14708

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
عواطفنا البدائية تتحكم في رؤيتنا للعالم

ناصر الحجيلان
    يعود أصل العواطف إلى حاجة الحيوان والإنسان إلى فترة رعاية من الوالدين أطول للحفاظ على البقاء. فالصلة العاطفية بين الأم ووليدها هي التي تضمن حماية الطفل حتى يصبح قادرًا على الحياة بمفرده. ويولد الطفل البشري ودماغه مزوّد بالعاطفة التي تجعله يدرك غريزيًا كيف يتصرّف مع أمه التي تتعلّق به في الغالب طوال الحياة. وعلى العكس من ذلك لاحظ العلماء أن أدمغة الحيوانات القديمة، كالزواحف، خالية من الخلايا العصبية العاطفية، ولهذا فإن صغار السحليات عند ولادتها تتوقف عن الحركة تمامًا حتى لا تأكلها أمهاتها.

ولابد من ملاحظة أن العواطف يمكن أن تؤدي مهامًا أكثر من الارتباط والحماية، فهي في الواقع تساعد على اتخاذ القرارات والتصرف لبناء علاقات أساسية ذات أهمية كبيرة.

ومع تطور الحياة على الأرض، تعددت الاختيارات المتاحة أمام الناس حول وسائل الحياة وسبل البقاء فيها. وقد صممت العواطف جزئيًا من أجل وقاية المرء من الإصابة بالعجز عن طريق مجموعة أخرى من الاختيارات. ويعتقد الباحثون الأنثروبولوجيون أن "الحب" و"الغيرة" من العواطف التي تساعد على اختيار علاقة ثابتة وطويلة الأجل والإبقاء عليها من أجل القيام بمهمة تربية الأطفال، حصل هذا في فترة تاريخية من تطور العلاقات البشرية، فعزّز الانتقال الاجتماعي والجغرافي والاقتصادي من فرص الناس في اختيار أزواج لهم. وبالمثل، فإن "الخجل" و"الإحساس بالذنب" نشأ كل واحد منهما للحفاظ على الارتباط بالمجموعة التي ننتمي إليها، على اعتبار أن الارتباط بمجموعة يعزز القيم المشتركة والمفيدة للسلوك، ويعني الاحتفاظ بالعمل التعاوني لاستكمال المهام المعقدة التي تتطلبها الحضارة الحديثة مما لا يتحقق بواسطة الفرد. ولهذا، فوجود العواطف هو -في الأصل- من أجل التحفيز على القيام بأفعال مفيدة للحفاظ على حياة الإنسان وبقاء الجنس البشري.

ولو تأملنا كيف تظهر الاستجابة العاطفية، لوجدنا أن حاسة أو أكثر من حواسنا تكشف عن أن شيئًا يحدث من حولنا وقد يؤثر في حياتنا. هذا الإدراك الحسي يُحدث نوعًا من التحوّل في الدماغ الذي يبدأ بدوره في إحداث سلسلة من التغييرات الفسيولوجية على شكل أفعال وردود أفعال مناسبة (حيث يرسل إشارة لتنشيط إنتاج هرمون الإندورفين لدفع عضلاتنا إلى العمل للهرب أو للمواجهة أو للبكاء أو للضحك.. إلخ). ولهذا فإن التصرّف الذي نقوم به هو في الحقيقة رحلة معقدة من العواطف ابتداء من المثير وانتهاء بالفعل.

والفعل الذي نقوم به صادر عن الدماغ الذي تلقّى الأثر العاطفي فتجاوب معه من خلال الجزءين الخاصين بالعاطفة. الجزء الأول هو "مركز الفهم" الذي يقع في النظام الطرفي المتشعب المحيط بقعر المخ، ويتكون من مجموعة من طبقات الدوائر العصبية الكهربائية. وهذا الجزء هو المسؤول عن تزويدنا بآلية فهم العالم وتكوين الآراء بطريقة تحليلية سريعة واتخاذ القرار. إن شبكة الأعصاب التي يتألف منها هذا الجزء تمكننا من الإحساس بالمشاعر حول مايحدث حولنا وتساعد على التفكيرلاختيار الإجراء الذي يمكن اتخاذه استجابة للحدث؛ كما يهيئنا لاستثارة عواطف الآخرين لكي نحصل على ما نحتاجه، فمثلا، نبتسم للتعبير عن الرضا وكسب مشاعر الآخرين، أو نتجهّم بغضب للتعبير عن الرفض أو لإثارة الخوف في نفس شخص يتعدى على حقوقنا.

أما الجزء الآخر فهو "مركز العاطفة" الذي يقع في الفصوص قبل الأمامية من المخ، فوق جزء الدماغ في قاعدة الحلقة المحيطة به. ويمثل الأرضية الأساسية لحياتنا العاطفية، فهذا المركز مكوّن أيضًا من شبكة من أعصاب لكنها أقل تعقيدًا. وهو مسؤول عن دفع البشر بسرعة لاتخاذ فعل بدائي يتعلق بالقتال أو الفرار عند الشعور بالخطر. كما يرتبط بمركز الأجزاء الهرمونية والعضلية لتجهيز أجسامنا، حيث يحرض تنشيط الغدة النخامية لإنتاج الأدرينالين لتحويل الدم من الجلد لتغذية القلب لكي يخفق بقوة حتى تتوفر للعضلات طاقة إضافية تزيد سرعة الجري وتغيّر عضلات الوجه للتحفز أو الخوف.

وتوضح الأبحاث الحديثة لعمل المخ أنه إذا أدركت إحدى الحواس خطرًا يهدد بقاءنا، فإن إشارة الحركة ترسل إلى المراكز البدائية في المخ المرتبطة بالقتال أو الهروب أو التجمد. ويختار أحد القرارات الثلاثة بناء على عنصرين: الأول، ما نحتفظ به من ذكريات ماضية للخبرات العاطفية. والآخر هو برامج العمل المجهزة مسبقًا لاستجابات عاطفية جرّبت من قبل ونجحت. وعند استقبال إشارة عاطفية طارئة، فإن المخ يفحص المخزون المكون من العنصرين السابقين بحثًا عن التوافق بين مايحدث الآن وما حدث في التاريخ القديم لإصدار الاستجابة العاطفية الملائمة. ونجد أن بعض استجاباتنا محكومة باستجابات أسلافنا التي انطبعت في خبرتنا كالفرار من العناكب والاشمئزاز من الغراب مثلا. وثمة استجابات حديثة ذات أصول قديمة، فإضاعة الطريق قد تجلب لرجل بالغ خوفًا شديدًا غير متوقّع، لأن هذه التجربة في الحقيقة انعكاس للخبرة الشعورية القديمة حيث تداعت تجربة الضياع في السوق حينما كان طفلا. والخوف هو شعور بدائي مسجل بقوّة في مركز العاطفة، ويمكن أن يثير انفعالات غير متوقّعة.

فعلى سبيل المثال، حينما نرى شخصًا يتقدّم نحونا في الشارع ثم يسقط، فإن استجابة كل فرد منّا نحو هذا الحدث تعبر عن نظام الاستجابة العاطفية المبرمج لدينا؛ فهناك من يضحك، وهناك من يخاف، وهناك من يهرب، وهناك من يسقط، وهناك من يصرخ، وهناك من يهب للمساعدة، وهناك من يتهيأ للهجوم.. إلخ. كل فعل مما سبق يكمن وراءه تاريخ عاطفي وتجربة شعورية حدّدت رؤية الشخص لتلقّي الحدث وفق نظام معين ثم أصدرت الاستجابة المناسبة.

10 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


با ختصار يقول هتلر ان العاطفه نقطه ضعف. فالاشخاص الذين لديه عاطفه قويه هم اكثر فئه تتعرض للمشاكل والستغلال


عبدالاله
ابلاغ
04:32 صباحاً 2008/09/30

 


طيب يا أستاذ ناصر.. أنت قدمت لنا النظرية، وشرحتها بشكل مفصل.
.
ممكن سؤال عن تطبيق هذه النظرية في أحد الأوضاع ؟.
.
سؤالي عن السلوك الجنسي عند الإنسان والإتجاه الجنسي، كيف يتحدد في مجتمعنا وفقا لأوضاعنا وعاداتنا ؟.
في مجتمع يتم فيه فصل الرجال عن النساء، ولا يلتقي الرجل بإمرأة إلا في ليلة الدخلة على زوجته، كيف تتوقع أن يكون الإتجاه الجنسي للرجال والنساء ؟.
.
يعني يفترض أن يرغب الرجل بالمرأة وبالعكس، ولا يفترض أن يتجه كل جنس إلى نفسه.
فكيف تؤثر عادتنا على هذه الخاصية ؟.


مريم إبراهيم
ابلاغ
06:11 صباحاً 2008/09/30

 


أولا أهلا برؤيتك دكتور ناصر عيدك مبارك وكل سنة وأنت بخير وصحة وسلامة وتألق..
أشكرك على هذه المقالة الثمينة جدا التي تضع الامور في نصابها العلمي الدقيق، وليتك وضحت العلاقة بين العاطفة والعقل وتأثير كل واحد منهما على الأخر
والله يحفظك ويرعاك
والسلام عليكم
سلمان الشهري
أحد طلابك


سلمان الشهري
ابلاغ
01:38 مساءً 2008/09/30

 


العواطف هو وقود الحياة البشرية
وأعتقد ان المقالة ركزت على اثر التجربة الاولى العاطفية في حياتنا وكيف اننا لاننساها او هي تبقى في اعماقنا فلاتنسانا عند ممارسة حياتنا مع اي موقف جديد
اشكرك وكل عام وانت طيب أستاذ ناصر الحجيلان
والسلام


ahmad
ابلاغ
02:06 مساءً 2008/09/30

 


اولا كل عام وانت بخير ياكاتبنا العزيز
وعيدك مبارك
وثانيا مقالتك رائعة واستفدنا منها في يوم العيد
لك شكري وتحياتي


خالد الشماسي
ابلاغ
03:47 مساءً 2008/09/30

 


عيدكم مبارك
وعساكم من عواده
وكل سنة وانت طيب يادكتور ناصر
واعاده عليك باليمن والبركات


ابو رهف
ابلاغ
03:59 مساءً 2008/09/30

 


دكتور ناصر
من العايدين الفايزين
وكل سنه وكلمتك وانت بالف خير
ولجميع القراء والقارئات
كل سنة وعيدكم مبارك


راشد بن فهد
ابلاغ
04:37 مساءً 2008/09/30

 


عيدك مبارك وشكرا على المقالة


Abu Saad
ابلاغ
09:48 مساءً 2008/09/30

 


ردة فعل الإنسان هي نتاج تاريخه. والتاريخ العاطفي لايترجم علاقة الرجل بالمرأة فحسب بل كذلك الشخصية بشكل كامل فإما أن تزيد سعادة الإنسان وثقته بنفسه أو أن تهتز صورته أمام نفسه والآخرين ويصاب بعصاب لايفهمه وشكوك في كل موقف يمر فيه وكأنه يعيش في أدغال مخيفة. عجبتني فقرة الإنسان والحيوان ومفهوم العاطفة والسلوك: كلام منطقي وحقيقي. شكرا على المقال الممتع.


هيلين
ابلاغ
03:30 صباحاً 2008/10/01

 10 


العاطفة تلعب دور الرئيس باتخاذ القرارات للفرد. يقال عن العرب وخصوصاً سكان الجزيرة العربية أنهم عاطفيون (أذا صح التعبير)..! ولكل نوع من عواطف الإنسان ضد، عكس الحب الكراهية ويقابل الإحباط النشوة والبهجة. ويبقى التوازن في ميراث الإنسان من عدد "الكرموزوم" من أمه و أبيه متساوية مع تطور أساليب تحفيز "الذكاء العاطفي" والاستفادة من حالة التأهب المتوقعة والاستعداد المثالي الدائم.
نتمنى أن تطرح موضوعاً عن "الصبغة الوراثية" والشكر دائماً موصول للكاتب مع أجمل التحية وعيدكم مبارك.


همام العدوي
ابلاغ
03:54 صباحاً 2008/10/01


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية