رصد.. علاج.. طرح.. مجازفة
لا تختلف رؤية الكاتب في الغالب عمن حوله، حتى وإن اعتقد البعض أنه يعيش داخل إطار فكري يختص به.
ورؤيته محدودة تجعله يقيس بمعايير مقننة وغير خاضعة للتعميم.
والسبب أن الكاتب شأنه شأن أي فرد في المجتمع يتآلف مع من حوله ضمن شراكة مجتمعية متكاملة وغير خاضعة للتجزئة، حتى وإن حاول هو، أو اعتقد الآخر أنه يحدد زاوية الرؤية لديه من منطلق تشخيص للواقع، وإن عجز عن محاولة التسوية التي يبحث عنها بعد طرح قضيته ومع ذلك يصطدم الكاتب بعدة محاور بعد أن يكتب.
المحور الأول:
بعض القراء في تعليقاتهم على ما يكتب يلومون الكاتب على عجزه عن إيجاد الحلول لما يطرحه، وتفرغه لطرح المشاكل وتركها مفتوحة، على اعتبار أن من يشخّص عليه أن يجد الحل، رغم أن الحلول في الغالب يمتلكها الآخرون وأصحاب القرار، والجهات التنفيذية، وجهات وأفراد عليهم المعالجة بعد تفرغ الكاتب للطرح والتنويه وهي وظيفته. والكاتب عليه الطرح وإعطاء الضوء. عليه أن يتساءل، وأن يحدد المسؤولية، ويناقش القضية بشكل متكامل بموضوعية، ودون تحامل على أحد، وأن يكون منطقه قابلاً للمناقشة والجدل، والفهم، وأن يتبنى المواجهة البناءة، وأن يطرح ما لديه من أفكار قد تكون حلولاً، ولكنها كتنفيذ تظل بيد الآخرين، خصوصاً أن كثيراً من القضايا بل أغلبها، لا يمتلك صلاحية معالجتها فورياً وإن كان يمتلك صلاحية المبادأة في الطرح، وفرصة سلطة الكتابة التي تلزمه أن يطرح ما لديه باحساس البحث عن المنفعة العامة، ومحاولة التغيير بمسؤولية الكتابة التي من خلالها يحاول أن يجمع شتات الفوضى، ويفتح أبواب هذه التحولات الهائلة التي تستدعي أن نكون دائماً في مركب الإنقاذاً معاً كاتب وقارئاً.
ومع ذلك ومع كل تلك الرغبات والمحاولات يظل الكاتب لا يملك سوى إقباله على الطرح ورغبته المستديمة في التفاعل مع القارئ معه وهو الأهم، حتى وإن عجز عن تفعيل دور من لديه صلاحية العلاج وهم في الغالب لا يريدون، أو يستجيبون.
المحور الثاني:
يطرح الكاتب أحياناً كثيرة صوراً ونماذج لمن حوله من الأصدقاء، أو الزملاء، أو الصور التي يصطدم بها وهي في المحصلة نماذج لا تتجاوز الحدود، ولا تتمرد على من حولها، ولكن يرى بعض القراء أن هذه النماذج هي من نماذج الكاتب نفسه، وهي قياسه هو وليس قياس القراء، بالرغم من أن الكاتب والقارئ لا ينفصلان حتى إنهما يتمازجان أحياناً من منطلق أنني قد أقرأ تعليقاً على مقال مكتوب يفتح الباب لأسئلة كثيرة، وهو ما يعكس وعي القراء وقدرتهم الرائعة على التواصل. ومع ذلك تظل نماذج الكاتب ليست من تأليفه، وليست نماذجه الخاصة بل هي صور عامة نتداخل معها يومياً، تشاركنا الأزمات، ونتبادل معها هموم النهار والتفاؤل والحلم، وانكسار الأيام والبحث عن الزمن الخالي من المعاناة.
نماذج قد تكون ظاهرة لكنها موجودة ولا تعني أنها معيار القياس فالمعايير أحياناً تكون غير دقيقة.
نماذة يتحول معها الكاتب إلى راصد لما يجري ومتابع من منطلق أنه جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع.
جزء يتعايش، ولا يمكن الافتراض أنه خارج كل ما يجري لمجرد أنه يطرح نماذج سلبية، أو خاصة لا تروق لمن يقرأها، أو يشعر أنها غريبة عليه ، والكاتب بدون من يقرأ يستحيل العثور عليه مجدداً ولا يمكن الاعتقاد أن بإمكانه أن يطرح ما يجعله متحصناً داخل قلعة المجازفة ليسترضي منهجه الخاص على حساب تحقيق غايات الكتابة.