وقفت من فوق سطح المسجد الحرام أطل على ساحته والجموع تطوف، قد غطت ساحة الحرم كلها وكأنهم قرص مدمج يدور حول محورة...!!
رأيت هذا الحشد العجيب، وهذه الجموع الغفيرة، وقد اندمجت أصواتهم لتشكل صوتاً واحداً منبعثاً من قرار الأرض إلى عنان السماء، وهؤلاء الجموع مزيج مختلف من الناس، فيهم الأبيض والأسمر والأصفر وكل لون بشري، فيهم الطويل، والقصير، الذكر والأنثى، الطفل والشيخ، وجوههم مختلفة، وسحناتهم مختلفة، لغاتهم مختلفة، فيهم الغني والفقير، والمريض، والسليم، فيهم صاحب الجاه والمركز، والسلطان، وفيهم البسيط العائل، فيهم الأمي والجاهل، وفيهم الطبيب، وعالم الذرة، والفيلسوف، والشاعر.
هذه الصورة الماثلة أمامي لهذه الجموع في حركة دائمة، وتماسك وتلاحم وتجانس، يدورون كما تدور الكواكب في أفلاكها، أو كما تدور الالكترونات حول مركزها في الذرة، قد امتزجت أصواتهم وامتدت حبلاً من النداء والدعاء من جوف الأرض، إلى أبواب السماء، كلهم يدعون ربهم تضرعا وخشية، وكلهم يردد ذلك الصوت الأبدي الخلود: الله أكبر، الله أكبر، منذ ذلك اليوم الذي حطم فيه نبينا العظيم أصنام الوثنية، الوثنية المادية، والوثنية البشرية، ومنذ ذلك اليوم الذي اعتلى فيه سيدنا بلال ظهر الكعبة، وراح يردده.
ظل هذا النداء مستمراً ثم صار متصلاً لا ينقطع ثانية واحدة في ديمومةٍ كتب الله لها الاستمرار والخلود، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها... نعم فنداء الأذان لاينقطع عن الأرض لحظة واحدة على مدار الليل والنهار، فلو أن هناك تسجيلاً دقيقاً يلتقط أصوات المؤذنين على كوكبنا لوجد أن الأذان سلسلة صوتية لاتنقطع أبدا، فقبل أن يصمت مؤذن يؤذن آخر في مكان آخر..!
وتلك أعجوبة من أعاجيب هذا الدين العظيم تماماً مثل أعجوبة ذلك النص الأممي الفريد، والذي ربما لم ينتبه له أحد، ولم يتحدث عنه في زمن العولمة أحد، فلو سألنا مفكراً أو فيلسوفاً، أو عالماً في اللغويات وقلنا: ما هو أعظم نص على وجه الأرض اليوم؟! لتلجلج واحتار في الإجابة مع أن الأمر سهل وواضح، فأجزم أن أعظم نص في الوجود وسيظل كذلك هو نص سورة الفاتحة هذا النص الذي يردده ما يزيد على مليار ونصف المليار مسلم سبع عشرة مرة يومياً أي مايزيد على عشرين مليار مرة هذا من غير السنن المؤكدة، والنوافل، وترديده في مناسبات يومية كثيرة، وفي محطات، وإذاعات، وتسجيلات وقراءات متعددة متنوعة والتي لو جمعت لزادت على ثلاثين مليار مرة في اليوم..!!
هذان النصان العظيمان الأذان والفاتحة يرددان بلغة عربية في جميع بقاع الدنيا..
@ كل هذه الرؤى، والأفكار تخيلتها وأنا أشاهد هذه الجموع التي أتت من كل حدب وصوب، جاءت طائعة مذعنة متلهفة، مشغوفة، مستجيبة لنداء الله، جاءت إلى أكرم الأكرمين إلى من لا يحجبُ بابهُ، ولا يرد سائله، فليس بينه وبين عباده وسطاء، ولا حجاب، ولا (سكرتاريا)،ولا مواعيد مسبقة بالدخول، جاءوا بلا نفاق ولا خوف، ولا طمع أو جشع دنيوي، جاءوا بلا مكافأة، ولا بدل مشقة، ولا انتداب إنما انتدبهم مولاهم.. بل ربما إن كثيراً منهم قد اقترض واستدان لحضورهذا المشهد واللقاء.. جاءوا طائعين ملبين دعوة الداعي الكريم راجين مغفرته طامعين في ثوابه...
(الله الله.. يا لها من آية عجيبة، ويا له من موقف عظيم، حقا هذا هو التجانس البشري،وهذه هي الحرية الإنسانية الكاملة، حيث يأتي المرء المؤمن متى يشاء، ويدعو كيف يشاء، ويطلب ما يشاء.
وسألت نفسي ماذا لو بُعث أبو لهب و أبو جهل وكل الذين أذوا الإسلام في بداية عهده، بل ماذا لو جاء أعداء الإسلام منذ البعثة النبوية إلى اليوم؟ ماذا لو وقف آباء جهل اليوم، وآباء لهب اليوم وشاهدوا هذا المشهد العظيم، شاهدوا هذا السيل الجارف من الطائفين، ومن الساعين ومن الركع السجود؟
ماذا لو جاء شاتمو نبينا العظيم، وأولئك الذين يلقون التهم، ويلهجون بالقبح والحقد والكراهية، ورأوا بعقل المنصف هذا المشهد الذي يكبر ويزداد يوما بعد يوم رغم الحروب التي تشن من مئات السنين على هذا الدين، وبالرغم من حملات التشويه والمسخ التي تبث يومياً من الأرض ومن الفضاء.
ماذا لو قُدم الإسلام صافياً نقياً من غير إلصاق سلوكيات بعض المسلمين به؟ أعود وأقول: إن هذا المشهد الذي وقفت أراقبه طويلاً قد ملأ نفسي جلالاً وخشوعاً وخشية، وزادني إيماناً، وأقنعني بأنه لا توجد قوة مهما عظمت تستطيع أن تحول بين المرء وربه، أوتستطيع أن تنتزع معتقدات الناس من قلوبهم، وإيمانهم من صدورهم... وأقول: لأولئك الذين قد تشمئز قلوبهم من مثل هذا الحديث لأنهم عموا وصموا.. انه ليس من حقكم أن تلوموا المؤمن على الضوء الإيماني حينما يشرق في داخله، إذا كانت دواخلكم منطفئة ومظلمة وخربة، وأن عليكم أن تراجعوا أنفسكم، وتحاولوا أن توقدوا شموع البرهان، وأن تتحسسوا مواطن الضوء والخير في دواخلكم، فلعلكم تستشعرون نور الله فتشرق أرواحكم وتنشرح صدوركم.. أما أولئك الذين اصروا واستكبروا استكبارا فأقول لهم: إنكم لن تستطيعوا أن تطفئوا نور الله بأفواهكم ولا بأقلامكم، فاللهُ مُتِمُ نُورِه ولو كره الكافرون.