سيما.. أونطة!
د. مطلق سعود المطيري
خبر هام أن ايطاليا قررت أن تعوض ليبيا عن فترة احتلالها بمبلغ كبير، لكن الخبر الأهم أن إيطاليا قدمت اعتذارا لليبيا، وأبدت أسفها، على أنها قتلت زعيما وطنيا هو "عمر المختار"..
وعمر المختار حلقة هامة من تاريخ النضال العربي ضد الاستعمار، بطل من طراز فريد، وكفاه أنه في حياته حين أمسك به الأعداء فرض عليهم احترامه، بقوة حجته وبساطته وقدرته على شرح قضيته العادلة بأقل الكلمات وأكثرها حكمة، واتسم الى جانب ذلك بهدوء غريب لكنه لا يثنيه عن عزمه ولا يرده عن شجاعته النادرة.. بطل عربي جدير باحترام العالم له قدر حبنا - نحن العرب - له، وافتخارنا بانتمائه لنا أو انتمائنا اليه..
بطل آخر، نعرفه كلنا مثلما عرفنا عمر المختار هو الناصر صلاح الدين وإن كان من نمط مخالف الى حد ما، فهو قد عرف بشهامته وعدالته وانسانيته، حتى في تعامله مع أسراه مما أذهلهم، وكان يرد على دهشتهم بأن تلك تعاليم ديننا الحنيف..
نحن نعرف أبطالنا الذين سجلوا أسماءهم بحروف بارزة على صفحات التاريخ، ولو سألتك : "ما الذي تعرفه عن عمر المختار؟" لقلت كلاما كالذي قلته أنا عنه منذ لحظات، فإن سألتك: "هل تعرف ملامحه؟" قلت نعم ورحت تسرد لي تفاصيل ملامح "أنتوني كوين" ذلك الممثل الذي قام بدور عمر المختار في فيلم للعقاد، فإن سألتك "وهل تعرف ملامح صلاح الدين؟" لقلت عنه كلاما كالذي قلته أنا، وبدأت تستحضر لي ملامح أحمد مظهر، الممثل الذي قام بدور الناصر صلاح الدين في فيلم آخر..
أنا وأنت لا ننقل عن التاريخ، بل ننقل عن السينما، ومعرفتنا التاريخية قد لا تزيد عما قدمته لنا السينما، أو إن كان أحدنا مهتما بقراءة التاريخ أو حريصا على زيادة معلوماته بعد أن نبهته السينما، لكن الأكيد أن هناك أبطالا آخرين كثيرين لم نعرف عنهم شيئا، لأن أحدا لم يقدمهم عبر معالجة سينمائية.
هنا قضيتنا، فنحن دائما لا ننظر الى الأشياء الا نظرة تعميمية، إن وقعنا على جانب سلبي حاربناه وتغاضينا عن ألف جانب ايجابي، فالسينما مثلا في نظر معظمنا لهو يشغلنا عن الذكر، ومفسدة للأخلاق وإهدار للمال، أما أن تكون أداة اتصال، ووسيلة حضارية لنقل الرسالة، وسجل يمكن أن يحفظ للتاريخ صدقه ونبله، وامكانية لدعم مهام التعليم ونقل المعارف فنتغاضى عنه كله.
لدينا أفلام عربية عظيمة، مثل الرسالة، وظهور الاسلام، والناصر صلاح الدين، وعمر المختار، وكلها أحدث ضجة احتفائية كبرى عند تقديمها، ولكن لدينا أبطالا ورموزا كاد أن يهملهم التاريخ لأن السينما لم تلتفت اليهم، مثل سليمان الحلبي، أو جول جمال الذي فجر نفسه وزورقه في مدمرة اسرائيلية، وسعد الشاذلي الذي أسر كتيبة كاملة - بمفرده - وقادها بدباباتها وقائدها "عساف ياجوري" أثناء هزيمة 67فبدا أسطورة لا تصدق عند الاسرائيليين أنفسهم.. أبطال كثيرون لن يعرف عنهم أبناؤنا حرفا أو صورة. ليس بالضرورة أن يكونوا أبطال حرب أو معارك، فواحد مثل شيخنا حمد الجاسر خاض معارك أعظم نبلا مع الظروف الجغرافية والتاريخية وطاف أرجاء المملكة ليوثق أنساب القبائل، مر في كل رحلة بعشرات المغامرات التي يمكن أن تكون مادة جيدة، وبالغة الأهمية للتاريخ، وغير هؤلاء كثيرون لا يمسك بهم العد والحصر.
وبمقارنة بسيطة مع الغرب نرى أن حربا وقعت فيما قبل الميلاد ما تزال السينما تعيد معالجتها حتى الآن، حرب طروادة التي تتصل بتراث اليونان وحدها وانما لا تهملها السينما الانجليزية أو الفرنسية أو الايطالية أو حتى الأمريكية رغم أن الحرب لا علاقة لها بتراث هؤلاء جميعا وانما باعتبارها ذات صلة أوروبية وذات علاقة بالأدب القديم ( ملحمة هوميروس ) مائة فيلم أو يزيد ربما ولم تتوقف المحاولات بعد.
ليس هذا فحسب، ولكننا ازاء السينما الأمريكية نرى أنها حين تعجز عن العثور على أبطال للتاريخ تعمد الى طرح النموذج الأمريكي حتى تعرفه كل الدنيا، نموذج السوبرمان الأمريكي الخارق، أو راعي البقر المنتصر دائما، أو رجال الفضاء بانجازاتهم، أو رجل المخابرات واسع الذكاء والحيلة من أمثال جيمس بوند.. هم على هذا النحو لا يمجدون التاريخ وانما يمجدون الحاضر بكل مفرداته ونماذجه.
لدينا حجة جاهزة نشهرها ضد السينما: "نحن نحمي البسطاء" من ماذا لا نعرف، ولكنني أسمع من الأصدقاء المصريين كبار السن، أن السينما عندما بدأت تغزو الريف المصري، كان الفلاحون والعمال من رواد "الترسو" ( أقل درجة من قاعة السينما ) اذا أحسوا أن المخرج أو المنتج أو المؤلف يستخف بهم في الفيلم أحدثوا ضجة هائلة، وصاحوا في صوت واحد : "سيما أونطة.. هاتوا فلوسنا" وفلوسهم تلك لم تكن تتعدى 9ملليمات ثمن التذكرة، يدفع الواحد (قرشاً صاغاً) فتعطى له تذكرة دخول ومعها قطعة حلوى بمليم. أليس هذا وعيا اجتماعيا - حتى عند الأميين - يمكن أن يصون صناعة السينما؟ ومن قال إننا وحدنا الذين نملك الوعي وباقي الناس يمكن أن يضلوا؟