د. علي بن حمد الخشيبان
رفض الفاتيكان الاعتذار (لدارون) بعد مائة وخمسين عاما على إصدار كتابه (أصل الأجناس) والذي احتوى على آراء دارون حول نظريته المعروفة (نشأة البشر وتطور الإنسان).
الفاتيكان وبحسب الروايات قد أيد هذه النظرية في العام 1950على يد البابا (بيوس الثاني عشر) وفي العام 1996أكد البابا يوحنا بولس نفس الرأي.
نحن المسلمين لنا إيماننا الخاص حول خلق الإنسان كما ذكره القرآن الكريم وهذه قضية محسومة بالنسبة لنا فالخلق له قصة كاملة لدينا في القرآن.
ولكن القضية التي استعير بها هذه المثال ذات علاقة بمجتمعاتنا الإسلامية وعلمائها الذين قدمهم التاريخ وهم يحملون وصمات سلبية حول إنتاجهم العلمي والأدبي بينما الحقيقة أنهم كانوا علماء مسلمين مخلصين كما تشهد سيرهم.
إسهاماتهم العلمية كان لها دور بارز في المسيرة البشرية سواء على المستوى الإسلامي أو على المستوى العالمي.
هؤلاء العلماء شهد لهم التاريخ العالمي وأعطاهم الكثير من التقدير بينما لم نمنحهم نحن المسلمين تقديرا ولا حتى اعتذارا تاريخيا عن تلك الصور التي أصابتهم جراء آرائهم الفكرية الفردية فقد أثبت لنا الزمن أنهم يستحقون التقدير والاحترام.
العالم الإسلامي بما فيها ومؤسساته الفكرية ومجتمعاته مطالب بأن يقدم مراجعة فكرية واعتذارات للتاريخ يسجلها لصالح أولئك الذين قدموا خدمات جليلة للعالم.
كثير من علماء الأمة الإسلامية تعرضت سيرهم إلى التشويه حتى إننا سمعنا من يرغب في تغيير اسم الشارع الذي يسكنه لأنه باسم ابن سينا الذي قدم أساسات علم الطب للحضارة الغربية بينما قدمنا له التشويه في سيرته بينما هو مسلم وجد بيننا. ابن سينا الذي ولد عام 370هجرية ختم القرآن وهو ابن العشرين كما تقول الروايات، هذا العالم الذي يجب أن نفخر بإنجازاته التي قدمها للمسلمين لازال التاريخ في بعض مجتمعاتنا يشوه صورته وخصوصا بعد تلك الموجات الصحوية المتطرفة التي اجتاحت العالم الإسلامي فراحت تدك التاريخ الإسلامي على أهله وتنبش في قضايا خلافية وفردية تم بثها إلى فئات من الشباب الذي لم يحسنوا فهمها مما شكّل منهجية معادية لعلماء الأمة الإسلامية.
ماذا يريد هؤلاء من تشويه صور علماء الإسلام..؟ نحن بحاجة إلى علمهم المفيد ولسنا بحاجة إلى هدم منتجاتهم العالمية وتشويه صورهم في التاريخ. السؤال المهم كيف لنا أن نقول بأننا أصحاب حضارة كانت سببا في تحول أوربا ونشوء حضارتها..؟ بينما الحقيقة أننا نصادر إنتاج علمائنا عبر تشويه صورهم بين المسلمين أولا.
إننا فقط وعبر ابن سينا قدمنا أساسات علم الطب لهذه الحضارة فكيف نفصل بين موقفنا من ابن سينا ودعواتنا الدائمة بأننا أصحاب فضل على تلك الحضارة في واحد من أعظم العلوم الحضارية ألا وهو الطب؟
هل نقدم اعتذارنا للغرب وننفي كون ابن سينا واحداً منا أم نقدم اعتذارنا لابن سينا على صورته المقلوبة التي نتداولها ونبشنا في قضايا خلافية حوله..؟
إن مسؤولية الذين رسموا تلك الصور عن سلسلة من علماء الإسلام ليست سهلة فتلك الممارسات الحماسية لأولئك وخاصة في عصرنا هذا أتاحت الفرصة لأنصاف المتعلمين أن يقيّموا إنتاج وشخصيات علماء أبقاهم التاريخ لنا رغم كل ما قيل فيهم. إن المسلمين اليوم بحاجة إلى المصداقية مع أنفسهم فإما نفي أثرهم في الحضارة الغربية أو الاعتراف بعلمائهم والاعتذار لهم عبر المؤسسات الإسلامية والمراجع الفقهية.
الفارابي المولود عام 260هجرية وغيره من العلماء تعرض أيضا إلى ما تعرض له ابن سينا ومنهم كثير فهذه النخبة من العلماء كان لهم دور بارز في نقل الحضارات السابقة وترجمة علومها إلى الغرب ومنها بالتأكيد الحضارة اليونانية التي وصلت إلى الغرب عن طريق علماء مسلمين من أمثال هؤلاء.
لم تقف القائمة عند أولئك فحتى ابن خلدون لم يسلم من الإساءة بطرق مختلفة فالعلماء المسلمون تعرض إنتاجهم العالمي للهجوم ليس من خلال نقد هذا الإنتاج وتحليله ولكن من خلال شخصياتهم فحدث ربط كبير بين شخصيات أولئك العلماء وبين إنتاجهم العلمي فتم تدمير إنتاجهم العلمي بإشارات بسيطة ومباشرة لممارسات شخصية ليست أثبت في التاريخ من إنتاجهم العلمي والفكري الذي أصاب البشرية كلها.
لقد أصبحت فكرة النقد الشخصي منهجية قائمة لدينا في التاريخ وهذا ما جعل أبواب محكمة التاريخ مشرعة حتى يومنا هذا.
إن علينا الانتقال من مرحلة المحاسبة الشخصية إلى خدمة الأمة الإسلامية بأكملها وتثبيت دورها الحضاري بدلا من زرع الشكوك في رموزها الفكرية والعلمية.
إن الإفلاس الفكري وفقدان طريق التطور والنمو هما اللذان ينقلبان باحثين عن هفوات علمائنا الأوائل وكثير من المتأخرين ممن عاشوا بيننا وعرفناهم.
كم هم علماء الإسلام الذين سطر التاريخ حياتهم بماء من ذهب بينما عمل الكثير منا على تشويه هذا الذهب ووصمه بعدم الأصالة، ولكنه في النهاية يبقى ذهبا لامعا قد يتم تشويهه في زمن من الأزمان ولكنه في النهاية يعود إلى بريقه وهنا سؤالنا المتكرر هل حان الوقت لكي يعكف العالم الإسلامي ومجتمعاته على تلميع ذلك الذهب والافتخار به بعيدا عن الاستمرار في تشويه صورته..؟
إن الفائدة التي يجنيها المسلمون من اعتزازهم بعلمائهم على جميع المستويات اكبر من فائدتهم في البحث في عقائد هؤلاء العلماء وإخضاعها لتفسيرات وتأويلات لم نجن منها إلا البؤس الحضاري.
لم يكن الطب ليختفي من موطنه الإسلامي لو أن ابن سينا بقي في تاريخنا شامخا نستفيد من إسهاماته وغيره من علماء عرف الآخرون كيف يستفيدون من إنتاجهم بينما عرفنا كيف نتخلص من ذلك الإنتاج بنسبته إلى أناس كدنا أن نخرجهم من دائرة الإسلام.
هذه المنهجية في تقييم تاريخنا وعلمائنا لازالت تبحث عن محاكمة حقيقية فهل تعدت إساءتنا الأشخاص ووصلت إلى الأمة الإسلامية بأكملها..؟ صورة علمائنا بيننا وخاصة الذين أثروا المعرفة البشرية لازالت تعكس رؤيتنا المضطربة لأنفسنا.
نحن نفشل كثيرا في تعريف الأمة ولذلك نخسر الأفراد الذين لهم دور بارز في تشكيل مفاصل الأمة تاريخيا، نحن نعالج كثيرا من فشلنا بتوجيه النقد للأفراد والبحث في سلوكياتهم وهذا ما جعل موقفنا يتحول من فخر بالأمة الإسلامية من خلال إنتاج هؤلاء إلى محاولة إخراجهم من دائرة الأمة الإسلامية بطريقة مخيفة في بعض الأحيان فنحن نرفض حتى تذكر هؤلاء ودورهم عبر إخفائهم من حياة وتاريخ الأمة ولو كان ذلك برفض أسمائهم على شوارعنا.
سؤال أخير هنا يقول ماهو الأثر الذي تركته لنا معايير تقييمنا لعلمائنا بهذه الطريقة وكيف خسرنا مكانتنا حضاريا بهذه المنهجيات المتطرفة التي فصلت بيننا وبين تاريخنا ..؟
نحن أمام أزمة إعادة تعريف حضارتنا وأمام حاجة ماسة لتقديم الاعتذار لكل عالم ومفكر من أمتنا اختفى بسبب إساءتنا لمنتجاته وعلمه وشخصه.