التوافق التام والإجماع في الرأي يعد (حاجة ماسة) ينشدها أي مجتمع صغيراً كان أم كبيراً ابتداء من الأسرة في المنزل مروراً ببيئة العمل في أي موقع حكومي أو في الشركة والمؤسسة التجارية وانتهاء بالمجتمع الأكبر في المدينة ثم الدولة ومن ثم مجتمع الأمة ككل.
وكلما ارتفعت درجة ذلك الإجماع والتوافق والوحدة في الرأي وفي القرار داخل تلك المجتمعات كلما انعكس ذلك ايجابياً على أداء ونشاط وعلى احترام تلك المجتمعات ..لذلك نجد العلاقة بين التوافق والاحترام علاقة طردية متنامية مع مرور الوقت ..
صحيح أنه لايوجد أي مجتمع مهما كانت طبيعته وحجمه لا يخلو من بعض أوجه الخلاف والاختلاف في الرأي.. لكن القدرة التامة على السيطرة بأعلى درجة ممكنة على ذلك الاختلاف وحصره داخل إطار ذلك المجتمع يعد عاملاً كبيراً جدا لحل كل الاختلافات بكل سرعة وسهولة ويسر تام.. والعكس صحيح !!
وفي مجتمعنا وعلى مدى العصور الماضية ظل رجال العلم والفتوى يحظون دوماً وتلقائياً ولله الحمد باحترام اجتماعي ورسمي مميز ومستمر ومختلف دون سواهم - وسيبقون كذلك إن شاء الله -.. وهذا الاحترام الذي يتحقق لهم منبعه أولاً دورهم ومسؤوليتهم في المجتمع وثانياً وحدتهم وتوافقهم وعدم تجاوز خلافهم أو اختلافهم إلى العامة والى من يتصيدون أو ينتظرون فرصة علامات الاختلاف أو الخلاف وإبرازها لأهداف مختلفة!! ولكنها تظل أهدافاً لا تخدم المجتمع ولا تخدم وحدة مجتمع أهل الفتوى !!
لكن في مجتمعنا المحلي - المعاصر - برزت خلال السنوات القليلة الماضية ظاهرة لم تكن مألوفة من قبل بدرجاتها الحالية تلك هي ظاهرة الاختلاف (العلني) في الكثير من الآراء والمسائل والفتاوى بين بعض ممن هم يعدون من أعلام العلم والفتوى في مجتمعنا خاصة في المسائل التي تعنى بالشؤون الإسلامية والدينية وخاصة أكثر ما يتعلق منها بجانب الفتوى وخاصة أكثر واكثر مايتعلق منها بالفتاوى التي تتجاوز المسائل الشخصية والأسرية إلى ما هو اكبر من ذلك وهي المسائل التي تمس الأمة والمجتمع ككل.. والمحزن أكثر هو تصاعد صور هذا الاختلاف والخلاف حتى وصل إلى مرحلة تحتاج عاجلا إلى إعادة نظر لمصلحة الدين ولمصلحة المجتمع ...
من هنا فإن المسلم وخاصة المواطن في هذا الوطن الغالي يسأل العلي القدير أن يجمع ويوحّد دوما كلمة ورأي أهل الفتوى ورجال العلم والمشورة الدينية في بلادنا في الظاهر وفي الباطن.. وهذا دعاء يحق لكل مواطن ومسلم أن يلحا بتكراره خاصة في ليالي هذا الشهر الكريم.. وحق للمسلم في هذا المجتمع ان يسعد إن شاء الله بسماع هذا الدعاء خلال كل خطب الجمع ومن خلال وتر وقنوت صلوات هذه الأيام المباركة وان يجمع ويوحد كلمة أهل العلم والفتيا لما فيه خير ومصلحة المجتمع والمسلمين خاصة في هذا الزمن الصعب.. فاللهم اجمع ووحّد كلمة ورأي وفتاوى جميع علمائنا وألف بينهم على الخير إن شاء الله ...
@ خاتمة:
سئل الشيخ عبدالعزيز بن بازرحمه الله وأسكنه فسيح جناته عن مدى صحة الحديث: (اختلاف أمتي رحمة)؟.. فأجاب (ليس بصحيح.. هذا من كلام بعض السلف من كلام القاسم بن محمد في اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أظنه إلا رحمة، وليس بحديث )
- المصدر موقع الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله -