طفلٌ في عمر وردة، لم يتجاوز الثامنة من عمره الغض، لكنه ما هشم في طفولته لعبة، وما ركب دراجة، وما نام في حضن ابتسامة. كان أسير إعاقة شديدة ليعيش بشلل دماغي، وليكبر في فراشه.
ولأن وجع من نحبهم يوجعنا قبلهم، فقد عاش هذا الصغير بين الأمل والرجاء في دموع أمه التي لا تجف، وجفاف حلق أبيه في مضمار الركض الطويل بحثا عن أيّ بارقة شفاء، كانت كل الآمال تنصب على ذلك الموعد الذي ضُرب له في مدينة الملك فهد الطبية على مدى عام كامل، لكن هذا الموعد طار وطار معه الأمل كما تطير بعض طائرات الطيران الأهلي بلا مواعيد مسبقة، فقد ألغت الشركة (دون إبداء الأسباب كما العادة) رحلتها التي حُجز له عليها قبل ثلاثة أسابيع، وألحقتها برحلة المساء.. الأولى برسالة جوال، والثانية بمكالمة، أمّا رحلات اليوم التالي فقد كانت (فل) حسب إجابة الشركة!!.
في هذه الأثناء كان والده يشكو بثه وحزنه إلى الله، وهو يتأمّل كيف تعدو عقارب الساعة بسرعة مذهلة نحو موعد طال انتظاره، وكانت فيما سبق تتحرك كسلحفاة مسنّة في أرض موحلة. كان يحاول أن يجترح الحلول، يُفكر في طريق البر.. لكن هذا الصبي لا يحتمل ست ساعات من المعاناة على هذا الطريق الطويل. ليعود أدراجه إلى التفكير في البحث عن موعد جديد مع المستشفى قد لا يكفيه عام آخر!!.
ولأن قصص الناس مع هذا الطيران أكثر من أن تُكتب بقلم ما لم يكن مداده الوجع، فسأختار مراعاة لمساحة هذه الزاوية حكاية سيدة مطلقة مع طفلها المعاق أيضا، وموعد مماثل في أحد مشافي العاصمة، ففيما أوصدت شركة الطيران أمامها الباب بإلغاء رحلتها وبنفس الطريقة، ولأنها تعلم باليقين أن الحصول على موعد جديد في المستشفيات الكبيرة لا يتم إلا بطلوع الروح، فقد قررت أن تستميت في الدفاع عن موعد ابنها، وهي المقطوعة من شجرة، فأخذت والدتها وطفلها، وأمرت سائقها مدفوعة بمشاعر الأمومة أن يسلك بهم طريق الرياض رغم كل الأحاسيس بوحشة الطريق مع سائق أجنبي ما اعتادت معه غير طريقين.. طريقها من منزلها إلى عملها، وطريقها بابنها إلى المستشفى!.
هذه وغيرها مجرد أمثلة صغيرة لما أنجزته شركات الطيران الأهلي من المتاعب حتى الآن. نستعرضها هنا لأنها لا تظهر على شاشات حواسيبهم حينما يقررون إلغاء رحلاتهم بالجملة والمفرق.
ماذا بقي بعد ؟.. بقي أن نضع آمال هؤلاء المرضى أمام ضمير المسؤولين في المستشفيات الكبيرة للقبول بذريعة إلغاء الرحلات بعد أن أصبح واقعا لا مفر منه، وتعويضهم عن فاقد مواعيدهم بمواعيد أقرب تقديرا لظروفهم أمام واقع طيران مضطرب لا حيلة ولا يد لهم فيه.