من الغرائب المضحكة أنني كنت منذ ليال أقلب صفحات محطاتنا الفضائية أو الفضائحية بملل وقنوط، علني أجد شيئاً مفيداً أو مسلياً غير أنني وجدت نفسي كمن يبحث عن وجه حي بعد غارة أمريكية على قرية في العراق، أو غارة إسرائيلية في فلسطين ...
أقول من الغرائب المضحكة إنني شاهدت مصادفة مقابلة مع ممثلة ومطربة عربية وكنت شاهدت هذه المرأة نفسها، وبالطريقة نفسها منذ سنوات، وإذا هي تعيد الحديث نفسه والأفكار نفسها وكأنها حفظتها في مشهد تمثيلي وكل الذي تغير هو وجه السيدة المبجلة فقد ترهل أكثر وصار لأسنانها قرقعة وهي تتحدث مما جعل الحديث أشبه بصوت قطار هرم يعمل بالفحم الحجري وكنت حينها قد كتبتُ عنها حديثاً أعيده اليوم حيث كتبت:
( في إحدى القنوات الفضائية العربية وفي أحد البرامج الرمضانية وضمن مسلسل الردح المعد مسبقا من بعض هذه القنوات لإحياء ليالي رمضان الكريمة بهذه المهازل. قدمت تلك المحطة وجبة دسمة للمشاهدين هي عبارة عن مقابلة مع امرأة حيزبون تصلح للجزارة وليس للحوار، فهي كتلة من اللحم أو الشحم المتورم والمتدحرج قدمها المذيع على أنها ممثلة، ومطربة، وتجيد الرقص أيضا.
فقلنا: اللهم زد وبارك.
وراحت تستعرض مواهبها ومهارتها الصوتية ببشاعة تنفر من سماعها الحمير..
وهذا ليس مهماً فلكل ساقطة لاقطة كما يقولون، ولكل نابحة سامع، فمن المؤكد أن هناك فئات يعجبها هذا النموذج العجائزي المترهل صوتا وصورة.
وأرجو ألا يغضب هذا الكلام أحدا فلسنا ضد حق المرأة في الخروج والحوار ولا يجوز لنا أن نسخر من صروف الزمن فكل من كبر منا سوف تدركه عاديات الكبر ولكن لكل مقابلة مقالها وموضوعها وصاحب شخصيتها.. وإذا كانت هذه المرأة مأساة ذوقية تخدش الذوق والجمال العام، فإن الأجدر بمقدم هذه الكومة المنطفئة أن يبحث لها عن أي موضوع آخر تتحدث فيه ويليق بمقامها. فذلك يظل محتملاً على اعتبار أن للناس في ما يعشقون مذاهب وربما أن صاحبنا مجري الحوار ممن يعشقون الجرافات والدبابات، وناقلات الجنود، ومستودعات الذخيرة وشاحنات الغاز..! والأدهى والأمرّ أن المطربة، والممثلة والراقصة والرافسة أو هذه الكوارث المجتمعة لم تكتف باستعراضها الصوتي والجسدي الفذ، بل راحت تتحدث عن أشياء أخرى: عن الفلسفة، وعن الحكمة، وعن تربية الأطفال وعن الأدب والدين!! فأخذت تلقي مواعظ اختلطت فيها حلقات الذكر بجلسات النارجيلة!! قالت إنها مجنونة بالشعر البدوي مع الموسيقى الكلاسيكية! أما السياسة فقد أظهرت فيها براعة نادرة، وراحت تتحدث طويلا عن معضلاتنا السياسية، وظل الرجل يحاورها وكأنه يحاور السيدة ثاتشر، أو السيدة غاندي!! واندمجت في الحديث وصارت تلتفت يمينا وشمالا وتطوّح بيدها في الهواء وترفس برجليها على الأرض كي تفضح أمراض العرب السياسية وتطالب بالحلول بل وتحدد نوع العلاج.
وعندما سألها عن مأساة فلسطين قالت إنها سوف ترقص وترفس إلى ان يتحقق النصر!! وأما عن الاقتصاد والتنمية في الوطن العربي فقد ضربت على بطنها عند السؤال وقالت: التنمية بخير وألف ألف عافية!
ليس ذلك عيبا أن تتحدث امرأة ممثلة أو مغنية أو راقصة عن هموم أمتها، بل أرى أن ذلك من واجبها. وقد وقفت بعض الممثلات والمطربات مع حقوق العرب في شجاعة وجرأة أغاظت بل أخجلت الكثيرين من أصحاب الشوارب السياسية..!! أقول ليس عيباً، ولكن شريطة أن تمتلك المقدرة على الحديث وشروطه بمعنى أن تكون قادرة على الخوض في القضايا المطروحة..
ولكن ما علاقة رداحة متقاعدة عاجزة حتى عن الردح، ما علاقة راقصة عفّ عليها الزمن فلم تعد قادرة على الوقوف على قدميها، ما علاقة جاهلة لا يمكن لها أن تتهجى اسمها بشكل جيد.. أقول ما علاقة تلك بالحديث عن هموم الأمة الثقافية، والدينية والاقتصادية ومواجعها وأزماتها السياسية؟
أيعقل أن الاستخفاف بذوق وعقل وثقافة المشاهد العربي وصل إلى هذا الحد من الاحتقار والإهانة والازدراء؟!
قد لا يخيفني ذلك رغم فداحته. لكن الذي يخيفني فعلا هو أن تكون تلك المحطة تنقل بواقعية وصدق الصورة الكارثية لواقعنا، وأن تلك المحطة كانت أمينة في نقلها فهي تنقل الصورة المطابقة والأمينة لواقع حالنا، وأن تلك الممثلة إنما تجسد صورة الأمة العربية في حالة ترهلها، وشيخوختها وهبوطها وترديها وانحطاطها الراهن..)