في عنقي كما في عنق معظم أفراد جيلي دين أدبي لمصر والمصريين، إذ أن معظم الروايات التي قرأناها ومعظم الأغاني التي طربنا لها في سنوات الشباب المتقدم كانت مصرية. نفس الحالة تنسحب على المسرح والقصيدة والكتاب بصورة عامة. إذ كانت الفنون المصرية في مجالات الثقافة كالرواية والشعر والسينما والمسرح والطرب هي التي تعطي للذوق العام تعريفا لما هو جميل وما هو دون ذلك. ربما كان الناجي الوحيد هو الكتاب الثقافي إذ ما زالت مصر تخرج كتباً تثبت أن الأدمغة في المحروسة مازلت بخير.
كل هذه الفنون تراجعت الآن وآخر من سقط كانت الصحافة المصرية التي فقدت وهجها لاحقة بباقي الفنون. هذا التراجع للفنون والثقافة المصرية له وقع مؤلم علينا إذ أن الثقافة المصرية هي التي شكلت وعينا. المؤسف أن هذا التراجع ترك مكان القيادة الثقافية شاغراً في العالم العربي إذ لم تتقدم أي جهة لملء ذلك الفراغ. ويمكن أن تكون الدراما السورية هي الاستثناء الوحيد إذ أصبحت القائدة في مجالها.
البعض يجادل بأن الساحة كانت فارغة وان المنافسة بين مصر وباقي الدول العربية كانت شبه معدومة بسبب الأمية وضآلة التراكم الثقافي لدى الدول العربية لكن هذا في رأيي ليس هو السبب. صحيح بأننا وبقية العرب قد تقدمنا كثيرا على الصعيد الثقافي عن فترة الخمسينيات والستينيات لكن مصر لم تحافظ على إيقاعها الثقافي الصاعد. بل ربما العكس هو الصحيح إذ أنها تراجعت بمرور الوقت.
أخشى أن يغضب بعض المصريين إذا قلت إن مصراً نفسها قد شاخت فلم نعد نلاحظ الشعور بالرضا والضحكة الصادرة من القلب لدى المصريين. قد يكون الغلاء الذي ضرب المحروسة في السنوات الأخيرة هو السبب في تغير المزاج الاجتماعي لدى المصريين وقد تكون هناك أسباب أخرى أهل مصر أدرى بها.
وليس معلوماً بالضبط كما، أسلفت، سبب تراجع الفنون المصرية لكن ما هو معلوم هو أن ثمن هذا التراجع ندفعه نحن جميعا كعرب، فمصر لنا جميعا وليست لأبنائها فقط.
مصر لا يمكن لها أن تهرب من دورها كقاطرة ثقافية ومعرفية للعالم العربي وإن تراجعت فثقوا تماما بأن بإمكانها بل ومن قدرها بأن تحث الخطى لتعود في صدارة المشهد الثقافي العربي من جديد.