لن تكون المرة الأولى في المنطقة، فقد اختبرَ عدد من الدول حالة الفراغ الرئاسي والدستوري لأشهر وأحيانا لأعوام، ولكن ما سيشهده الفلسطينيون بداية العام القادم سيؤسس تشريعيا لوجود سلطتين إحداهما فلسطين الغربية والأخرى فلسطين الشرقية يفصل بينهما أكثر من جدار حسي ومعنوي. فقد أعلن خالد مشعل -زعيم حماس- بأنه لن يكون هنالك رئيس للسلطة الفلسطينية ابتداء من 9يناير 2009، وأن الرئيس محمود عباس لن يسمح له بالتمديد، وأن الحركة ستكون مسؤولة عن تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في موعدها في قطاع غزة ابتداء من العام المقبل.
لاشك أن الفلسطينيين لم يمروا بحالة انقسام كالتي يشهدونها اليوم، وحتى في ذروة التنافس الدموي بين الفصائل الفلسطينية في السبعينيات لم تصل الأمور إلى هذا الحد من الانفصال المعنوي والجغرافي على الأرض. حينها كانت هناك مساحة للفصائل الفلسطينية للتنافس على الدور السياسي والدعم المادي الذي توفره عدد من دول المنطقة.
منذ انقلاب حركة حماس في يونيو 2007، وهي تعمل بشكل جاد على ترسيخ قوتها على الأرض وعلى تحويل القطاع إلى دولة مستقلة بذاتها، ويمكن القول إنهم نجحوا إلى حد كبير في تحقيق ذلك. فبالرغم من الحصار الدولي المفروض تمكنت الحركة من تصفية كل ما له علاقة بمؤسسات السلطة الفلسطينية السابقة، وقامت باعتقال المئات من النشطاء السياسيين من الفتحاويين ومن غيرهم، كما قامت بإغلاق أكثر من 200مكتب سياسي وخدماتي تابع لحركة فتح ولمؤسسات مدنية مستقلة بحجة أن الأخيرة مدعومة من الخارج.
ورغم الضغوط الداخلية والخارجية فقد استطاعت الحركة أن تحقق مجموعة من الانتصارات التكتيكية: فهي أثبتت أولا قدرتها على البقاء رغم الحصار، وأثبتت تمتعها بدعم الأغلبية (وإن لم تكن أغلبية مطلقة)، كما استطاعت لأول مرة في تاريخ القطاع أن تخضع السلاح الفلسطيني لطاعتها، ولذلك اعتقلت عناصر من كتائب الأقصى، والجهاد الإسلامي، وجيش الأمة. ولعل أبرز تحدٍ داخلي قامت به هو تفتيت سلطة المليشيات العائلية في القطاع، حيث دخلت الحركة في مواجهة مسلحة غير متوقعة (وغير متكافئة كذلك) مع عائلة حلّس، وكانت نتيجتها إجلاء عدد من مقاتليها إلى أريحا. وبخصوص العلاقة مع إسرائيل، فقد نجحت الحركة في تأمين هدنة مع الإسرائيليين لازالت سارية.
اليوم تمارس حماس دورها كدولة ونظام حكم إسلامي، ولعل هذه القوة التي أظهرتها حماس في تثبيت نفسها على الأرض قد دعت عدداً من دول المنطقة إلى مراجعة حساباتها حيال مقاطعة الحركة والتي يبدو أنها ستظل هناك لفترة طويلة من الزمن، ومحاولات التهدئة (والتقارب) الأردنية مع الحركة لا تحتاج إلى تفسير. حاليا، تتلقى الحركة الدعم المباشر من عدد من الدول العربية بالخفاء (وإيران وسوريا بالعلن)، وهي تؤمن قوت الشعب من المساعدات الدولية الغذائية التي لم يشملها الحصار، وتتولى الحركة إدارة السوق السوداء للتهريب عبر الأنفاق ما بين رفح والحدود المصرية، وهي تجارة تقدر بعشرات الملايين حتى وصفها أحد المراقبين الاقتصاديين ب "اقتصاد الأنفاق".
ولو أردنا تقييم ما قامت به حماس بالمعيار السياسي (المصلحي) لقلنا إن الحركة نجحت بشكل كبير، وإنها كسبت الرهان حين قررت أخذ مكان منظمة التحرير الفلسطينية (بزعامة فتح) بدل الانتظار لسنوات من الشد والجذب السياسي، واليوم هي الحزب الحاكم لقطاع غزة والمطالب الشرعي بالضفة الغربية. قد يقول البعض بأن الحركة عبر انخراطها في العملية السياسية قد كشفت عن أطماعها الحقيقية في الاستيلاء على السلطة كبقية الحركات الإسلامية، وأنها كانت مستعدة للتخلي عن الحرب مع الإسرائيليين نظير إقامتها لحكومة أصولية حركية، وأنها قتلت من الفلسطينيين خلال السنتين الماضيتين أضعاف ما قتلت من اليهود، وأنها فرضت حكماً متطرفاً وضيقت على الحريات، وألغت الديمقراطية، وقبلت أن يتعرض القطاع لحصار دولي وانهيار اقتصادي مقابل احتفاظها بالحكم.
كل ذلك صحيح، ولكن يجب أن نتذكر بأن الغالبية في القطاع تدعم حكومة (وبالتالي شرعية) حماس رغم كل تلك المساوئ، بل إن الحركة تعتبر أن التراجع النسبي في مستوى الدعم الشعبي هو أمر مؤقت نتيجة لمرحلة تثبيت الاستقرار التي تقوم بها الحركة، أو كما استشهد أحد القيادات الحمساوية بكلمة للمؤرخ ابن خلدون: (السيف أولا، ثم القلم).
وفي إحصاء أخير أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ( أغسطس الماضي)، أظهر أن 29بالمائة من الفلسطينيين بالعموم يؤيدون استمرار حماس في الحكم، في حين أنه لو أقيمت الانتخابات اليوم لنال اسماعيل هنية 39بالمائة. هذه الأرقام قد توهم بأن التأييد الشعبي لحماس قد تراجع، ربما كان ذلك صحيحا، ولكن إذا كان أربعون بالمائة من الشعب يؤيدونك -وأنت تملك السلاح- في مقابل 60بالمائة عزلاً فليس ذلك بالتحدي الخطير، ثم إن الحركة تراهن على أنه فور انتهاء سيطرتها التامة على مقاليد الأمور فإن فارق العشرة بالمائة يمكن تعويضه.
كيف نفسر هذا الإصرار الحمساوي على التحول إلى حكم الحزب الواحد والسيطرة على الحكم حتى لو أدى ذلك لانقسام في الهوية الفلسطينية؟ الجواب بسيط، هم لديهم حجة منطقية بعض الشيء مؤداها: أن مشروعيتهم تنبع من قوتهم على الأرض سلاحا وجمهورا، وأن هذين الأمرين كافيان لإصباغ المشروعية على نظامهم، وإذا كانت هناك من حاجة للقيام بانتخابات شكلية من أجل الدعاية الديمقراطية فذلك أمر سهل، ويمكنهم القيام به وضمان النتائج لتحسين صورة النظام كما تفعل بعض الأنظمة في المنطقة. إضافة إلى ذلك، من قال إن حماس مطالبة بتبرير مشروعيتها أو التنازل لأحد، فمن أين أتت مشروعية فتح أو أي فصيل فلسطيني آخر إلا من واقع قوته على الأرض، وإذا كانت حماس قادرة عسكريا وشعبيا على الحكم وحدها فلمَ لا، وإذا كان الآخرون يرغبون بالمشاركة في حدود حجمهم الحقيقي فليس هناك مانع ما دام أنهم ملتزمون بحدودهم ولا يشكلون خطراً على مصالح الحركة.
حماس فهمت لب المعادلة السياسية لبعض الأنظمة السلطوية في العالم العربي، أو كما يسميها فؤاد عجمي في كتابه الذائع الصيت "المأزق العربي" (1981): ( السجن أو الفوضى). النظام الحاكم يخير الشعب بين أن يعيش في سجن كبير ولكنه آمن ومستقر وإلا فإن البديل هو الفوضى. كثير من المثقفين الذين كانوا متأثرين بموجة الدمقرطة أوائل التسعينيات كانوا ينعتون مثل هذا التفكير بأنه متعصب ضد شعوب المنطقة، ولكن النموذج العراقي بعد الاحتلال الأمريكي -وهو أول نظام يتعرض للاختبار- قد أدى في أول خمسة أعوام منه إلى فوضى عارمة يقتل بها الأبرياء بشكل فوضوي ومجنون، وحيث انطلقت كل مكبوتات المجتمع المتطرفة، والدول العربية فيما لو تعرضت لمثل ذلك -لا قدر الله- لن تكون بأحسن حال.
حماس تقدم لفلسطينيي القطاع الأمن والاستقرار -وإن كان ذلك داخل سجن كبير-، لأن البديل هو الحرب الأهلية. لذلك لا تتوهموا أن تتخلى حماس عن سلطتها أو أن تجنح إلى التنازل لفتح أو أي فصيل آخر ما دام أن لديها القوة على الأرض، وهي لن تقبل بالتأكيد بأي مقترح لقوات عربية أو أجنبية، لأنها برهنت على قدرتها تحمل الحرب والسلم مع الإسرائيليين، وهو أمر بحد ذاته يعني قدرتها على الحكم بشكل مسؤول -على الأقل كبعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة-، وسيأتي اليوم الذي لن تحتاج فيه لا إلى سوريا أو إيران لإدارة أمورها. بصراحة، لقد نضجت حماس (سلطوياً).