د. مشاري بن عبدالله النعيم
كتبت في الأسبوع الفائت حول عبودية الراتب ووصلتني الكثير من التعليقات المباشرة حول الموضوع خصوصا في ما يتعلق بمسألة الابداع وقد كنت أثرت الفكرة مع أحد الزملاء قبل الكتابة حولها وقال لي بعد أن قرأ الموضوع انني تناولت الموضوع من وجهة نظر بعيدة جدا عن الفكرة الأساسية. والحقيقة أنني كنت أفكر في مسألة "عبودية الراتب" من وجهة نظر شخصية بحتة وهي أن "الاستقلالية المالية" تصنع حرية الرأي وتتيح للإنسان التعبير عن رأيه بصراحة وكنت أرغب في التحدث عن تجربتي الشخصية عندما حصلت على درجة الدكتوراه وعدت ووجدت أن دخلي لا يغطي ابدا حاجتي وحاجة أسرتي وصرت أبحث عن موارد أخرى للرزق واكتشفت أن "قيد الراتب" يمنع من الحركة ويكبل الإنسان ويحبسه في مكانه حتى انه ليذكرني بالمعتقلين الذين تربط أرجلهم بسلاسل الحديد التي تتدلى منها الاثقال فلا يتحرك إلا زحفا. الشعور بفقد الحرية أمر صعب والتقيد بالدخل الشهري هو تواري خلف قيود "الآخر" لا تستطيع أن تعبر عن رأيك بصراحة ولا تستطيع أن تفعل ما تشاء ولا تستطيع أن تخطط لحياتك بشكل صحيح حتى ان الواحد منا يبقى في عمل نمطي وروتيني سنوات يكرر ما يقوم به يوميا دون أن يسأل نفسه لماذا هو يقوم بهذا العمل، فطالما أنه يحصل على راتبه آخر كل شهر فلا حاجة للأسئلة. أقول هذا وأنا أتذكر عبارة كنت أقول دائما خلال العقد الأخير "الإستقلال" وكأني أحارب من أجل قضية بينما ما أقصده هو "الاستقلال المالي" الذي يمكن أن يجعلني أن أتنفس بحرية أكبر ولا يربطني بما يريد الآخر مني بل بما أريد وبما أرغب أن أحققه في هذه الحياة. بالنسبة لي ككاتب وكأستاذ في الجامعة لم أشعر يوما بهذه الحرية التي كنت أتمناها لنفسي لأنني مازلت مقيدا بثقافة "آخر الشهر" ولم أتعلم أبدا كيف اعتق نفسي من هذه الثقافة رغم أن لي عقدا من الزمن وأنا أفكر في هذه الحرية واكتشفت أن تحقيق الحرية المالية أمر يحتاج إلى مرحلة مخاطرة ويبدو أن من استسلم لعبودية الراتب لا يستطيع أن يغامر ويخاطر فهو يسأل نفسه دائما "ولماذا؟" طالما أنه مرتاح وقوت يومه يصله إلى مكانه دون عناء حقيقي فلماذا المخاطرة وتعريض "العيال" للمتاعب، لكنها الحياة "فمن يتهيب صعود الجبال.... يعش أبد الدهر بين الحفر"، رحمك الله أيها "الشابي" فلو قدر لك أن تعود مرة أخرى لهذه الحياة فلن تجد الكثير من حولك فكر في صعود الجبال.
وبما أنني أتحدث عن "عبودية الراتب" وعن كوني عضو هيئة تدريس وقد منّ الله علينا مؤخرا بتغير في الكادر أو هكذا خيل لي فلم أفهم هذا الكم من الافكار حول الزيادات التي سوف يستحقها عضو هيئة التدريس بعد بضعة شهور "حسب ما فمهت". هذه الزيادات تتطلب وضع لجان سوف تنبثق منها لجان عدة تفسر الزيادات الجديدة ولا أعلم لماذا كل هذه الألغاز وكل هذه الكلمات المتقاطعة فلا يوجد شيء ثابت في القرار نركن إليه وهذا "فن" بحد ذاته ولعل مبدأ التغيير في كادر أعضاء هيئة التدريس يعتبر "فتحا مبينا" بعد كل هذه السنوات من المماطلات ولعل هذا ما جعل الكل يشعر بالرضى رغم أن كثيرا من الزملاء غير متيقن ماذا سيحصل عليه بالضبط فالبعض يمني نفسه بالحد الأعلى والبعض الآخر يمني نفسه بأمنيات متواضعة نتيجة للصدود السابق وفقد الأمل في أي تغيير. أما أنا شخصيا فلم أستطع أن أحدد موقفي بصراحة وهل أتجه للحد الأعلى أم للحد الأدنى أو أكون في الوسط وخير الأمور الوسط لكني عندما رجعت مرة أخرى للبدلات الكثيرة وجدت أنها تعزز "عبودية الراتب" فهي مرتبطة برئيس القسم وبعميد الكلية وبرغبة مدير كل جامعة في مكافأة أو معاقبة عضو هيئة التدريس. وقلت في نفسي لأشد الحزام فقد لايكون لي نصيب من هذه الزيادات أو لأغير أسلوبي وأبدأ من اليوم في التلطف ومجاملة من بيدهم القرار في الجامعة حتى أكون من زمرة المنتفعين. صرت أتخيل كيف سيكون وضع هيئة التدريس بعد أن تعزز دور رئيس القسم والعميد وهل سيبقى له هامش من حرية الرأي أو أن عليه أن يضع كل هذا على جنب ويفكر في قوته وقوت أولاده ويمشي "جنب الحيط" حتى لا يقع في مشاكل مع من بيدهم القرار.
صرت أفكر في الابداع وهل مازال هناك فرصة حقيقية للإبداع في الجامعات السعودية أم أن الأمر ليس مهما أصلا وحاولت أن ابحث عن شيء يدعم الابداع والتميز في القرار الأخير فقلت ربما هو "بدل الندرة" وهو بدل جيد ومثير لو أنه تم تحديده بدقة ووضعت له معايير دون الحاجة لتشكل لجان عليا وصغرى وتحويل هذا البدل إلى "منحة" إدارية في المستقبل تعزز تهميش الرأي. أما باقي البدلات فكلها مرتبطة بالنصاب (والعبرة هنا ليس في عدد الساعات التي يقوم الاستاذ بتدريسها بل بكفاءته ومقدرته على التدريس) وبالجامعات الناشئة وهذا أمر جيد ولم نجد أي شيء مرتبط بالبحث العلمي أو بتميز عضو هيئة التدريس ونشاطه خارج فكرة النصاب التدريسي. مبدأ التغيير شيء جيد وتعزيز مكانة عضو هيئة التدريس وتفريغه للعمل الأكاديمي لابد أن ينعكس على مستوى التنمية الشاملة لبلادنا لكن هناك دائما "الحرية الاكاديمية" التي تعد الأهم والبدلات الجديدة لا تعزز الحرية الاكاديمية ولا تدعمها بل تزيد من قبضة إدارة الجامعة على عضو هيئة التدريس وتدعم فكرة "القيد الاداري" فالبدلات كلها منطقة رمادية يمكن تفسيرها بعدة تفسيرات وهي متروكة في يد من له حق الإدارة.
لا أريد أن ابدو متناقضاً هنا فساعة أحرض على العمل الحر والتخلص من "عبودية الراتب" وساعة ابحث عن تغيير واضح في كادر اعضاء هيئة التدريس (الذي يمسني مباشرة) فأنا ما زلت أبحث عن الاستقلالية المالية دون جدوى ولا بد أن يكون هناك من يعمل كعضو هيئة التدريس ومن يعمل في الوظائف الأخرى وإلا لن تستقيم الحياة لكن هناك متسعاً دائما لتطوير بيئات عمل تنمو فيها القدرات والمهارات وتتطور وعلى كل منا أن يحدد كيف يصنع أو يبحث عن بيئة العمل التي تناسبه. بالنسبة لي شخصيا أعتقد أن القرار الأخير في كادر اعضاء هيئة التدريس لا يحقق التنافس الأكاديمي ولا يقدم خيارات واضحة لتطوير الجامعات السعودية ولا يفك القيود التي تكبل الحرية الاكاديمية ولن يكون القرار منصفاً للجميع (وهذا أمر طبيعي ومتوقع) ولا يصنع الحافز نحو التميز والبحث العلمي والأصعب من ذلك أنه يزيد من ثقافة "عبودية الراتب" التي ستجعل من عضو هيئة التدريس يبحث عن رضا الجميع كي يحصل على بدلاته كاملة. أرجو أن اكون مخطئا في تقديري لكني دون شك أشعر بالحاجة للتحرر من عبودية الراتب أكثر من أي وقت مضى.