حينما يتحول المجتمع كله إلى دائرة ثقافية واحدة.. تتسطح كل ثقافاته، لأنه في هذه الحالة يُصبح على الباحث المتخصص أن يخوض فيما يخوض فيه سواه من عامة المثقفين، هذا ما يحدث الآن.. رغم أن النمو الحقيقي، والتطور الطبيعي يستدعي أول ما يستدعي أن يتشكل المجتمع من عدة دوائر ثقافية تتثاقف مع بعضها لتنجز بالنتيجة مشروعا يُمكن أن يُعوّل عليه.
فحينما يتحول الأديب إلى فقيه يُفتي في الحلال والحرام، وحينما يتحول الفقيه إلى أديب وناقد ومفكر اجتماعي، والمؤرخ إلى سياسي.. تذوب تلك الدوائر الصغرى التي تقوم مقام الجينة في بناء الجسد، ويُصبح كل ما بأيدينا عبارة عن هلام ثقافي يتورم باستخدام المصطلحات دون الغوص في أعماقها.. وحتى لا يبدو هذا الرأي تعسفيا، فأنا لا أصادر حق أيّ أحد كل في مجاله في الثقافة الأفقية التي ترفد التخصص، لكن هذا لا يعني بالضرورة دمج كل هذه الثقافات في دائرة واحدة لا تتناوش التفاصيل بما تحتاجه من العمق.. مما يجعل الحوار، وحتى النقاش في مجمله نقاشا في العموميات لا يزيد على أن يرفع درجات الاحتقان، ولا يُفضي لأيّ نتيجة (هذا ما أقتنع به).
نحن الآن في زمن التخصص، وتخصص التخصص، وأهمّ ثقافات العالم، وأكثرها ثراءً بنت نفسها وحضارتها من خلال تنامي تلك الدوائر الثقافية باتجاه نسقي متطور لا يفتش عن شيء سوى الحقيقة أو بعض الحقيقة على الأقل، شريطة أن تتوفر النية لدى الجميع لتبني إرادة الانفكاك من الجمود.
غبش المشهد الثقافي بعواصفه الترابية، والذي يتداخل مع بعضه البعض بشكل غير مسبوق هو نتيجة وليس سبباً، هو نتيجة لفشلنا حتى الآن في بناء مؤسسات المجتمع المدني، فالإبداع ليس له مجال.. لأنه محكوم بثقافة الفقيه، والفقه ليس له مجال لقراءة الوقائع بحرية.. لأنه محكوم بملاحقة المبدع (والأخذ على يده !)، وغوغائية العلاقة ما بين أطراف هذه القضية، صادرت حق المجتمع في قيام عدّة ميادين، لتخلق ميدانا واحدا يركض فيه الجميع ويتزاحمون، ويتعثرون، وغالبا ما يسقطون جميعهم نتيجة التدافع في نفس المضمار دون أن يصل أحد منهم إلى خط النهاية.
ما نراه الآن.. الأديب يتحدث في السياسة، ورجل الدين يتحدث في السياسة، والفنان يتحدث في الدين (محمد عبده وهيفاء وهبي نموذجا) والسياسي يتحدث في كل شيء إلا السياسة (فتشوا عن أساتذة العلوم السياسية في وسائل الإعلام ؟).
هذه الخلطة الثقافية تشي بوجود خلل مؤسسي أفرز هذه الساحة المشاعة. فهل يحق لنا مع هذه البانوراما الشائكة والسرابية بنفس الوقت.. أن ننتظر مشرقا ثقافيا قادرا على أن يُقيل عثراتنا ؟.