صحوتُ على رنين الهاتف المتواصل في الصباح الباكر من يوم 11سبتمبر 2001، وكان الاتصال من أهلنا في السعودية يخبرون عن الحادث. لم أفهم الموضوع فعدت للنوم، ولكن الاتصالات عادت لتعكر هدوء الصباح، وكنت لحظتها أظن أن الأمر يتعلق بالزلزال الذي حصل لنا قبل أشهر في مدينة سياتل الواقعة في الجزء الشمالي الغربي من الولايات المتحدة. وحينما فتحت التلفزيون وجدت أن القنوات تتحدث عن طائرات وانفجارات.
مضى نصف اليوم وأنا أتنقل من قناة إلى أخرى، وسرت إشاعات أن مطار سياتل وأبرز معالمه مهددان بالتفجير. كنّا لانزال في إجازة الصيف لأن نظام الدراسة للعام الجديد صادف أنه يبدأ في الأول من أكتوبر.
عرضت بعض القنوات في المساء أخبار إطلاق النار على عدد من الأجانب في واشنطن ونيويورك وأماكن أخرى. وبدأت حملات الانتقام من أي شخص له ملامح شرق أوسطية تتفاقم في أمريكا وتجوب المدن هنا وهناك. وفي المقابل، أعلن من الغد في سياتل أن مجموعة من السكان تبرعوا بحماية المسلمين، ووضعوا أرقام هواتف لكي يتصل بهم أي مسلم يحتاج المساعدة، فمهمتهم هي مرافقة أي مسلم يريد الذهاب لقضاء احتياجاته الضرورية وحمايته من التعرض للأذى. كانت إعلاناتهم في مواقف الباصات وفي الصحف وفي الشوارع. وبالفعل تكوّنت جماعات من الرجال والنساء بعضهم مسلّح يقفون بجوار المسجد في شمال المدينة وعند مداخل سوق نورثقيت ومقابل كلية المجتمع في شارع برادواي وغيرها من المواقع.
في اليوم التالي كنت بحاجة للذهاب إلى السوق، وكان الخروج من المنزل مغامرة خطيرة، فمن يخرج ربما لايعود، ورغم أن زوجتي أصرت أن أذهب مع أحد الأمريكان المتعاطفين مع العرب إلا أني ترددت في الاتصال بمجموعات الحماية لأني توقّعت أنهم لحماية النساء والأطفال وكبار السن. وفي الطريق رافقني أحد الجيران وهو أمريكي من أصول فيتنامية وانتهت مهمة شراء الاحتياجات بسلام وعدنا إلى منازلنا سالمين. وذات يوم كنت في أحد المطاعم، وشعرت أن شيئًا مريبًا يحصل في المطعم من خلال نظرات العمال، وحينما التفت خلفي وجدت أمريكيًا متوسط العمر يجري باحثًا عن أداة، فعلمت أنني المقصود، فأسرعت بالمغادرة. وما أن خرجت وركبت سيارتي حتى رأيته خارجًا من المطعم يحمل عصا حديدية ضخمة؛ وقد تيسر لي مغادرة الموقع قبل أن يصلني. وفي بعض الليالي الممطرة والباردة يأتي من يطرق علينا باب الشقة في وقت متأخر ثم يختفي، وهناك من يضع ملصقًا على العين السحرية للباب ويحاول فتحه عنوة، ولكن الاتصال بالشرطة التي تأتي بسرعة قياسية جنّبنا في مرات عديدة مالاتحمد عقباه.
كانت الظروف تزداد صعوبة مع الوقت لأن الأنظمة بدأت تتعقّد خصوصًا على الطلاب السعوديين. وربما يذكر من كان موجودًا في أمريكا، كيف كنا نحاول ألاّ نعود للسعودية حتى ننتهي من الدراسة خشية أن نرجع للعطلة فلا تجدد السفارة الفيزا ويضيع مجهودنا السابق. وكانت الأسر السعودية التي لها أقارب في أمريكا تعيش عذابًا حقيقيًا لايقل ضراوة عمّا يعيشه المغتربون هناك.
قصص الاعتداءات العنصرية بدأت تتوالى على مسامعنا، فمن حالات ضرب النساء المسلمات المحجبات إلى ضرب الشباب العربي المسلم، ومنها على سبيل المثال قضية الاعتداء التي وقعت في سياتل في الأسبوع الأول من الدراسة في أكتوبر 2001على شاب إماراتي كان يتحدث بهاتفه الجوال باللغة العربية فما كان من أحد المارة سوى ضربه وتكسير هاتفه. وبدأت في سياتل حالات قتل لبعض سائقي الأجرة الهنود وبعضهم من الهندوس الذين كان يُعتقد أنهم مسلمون بسبب اللحية والعمامة التي كانوا يلبسونها!
وقد بدأت الجامعات بوضع إعلانات تحذيرية للطلاب المسلمين الأجانب لتحاشي الخروج في المساء وتجنّب المشي منفردين، والكثير منها بدأ بمراسلة طلابه المسلمين وحثهم على التبليغ عن أي قضية اعتداء أو تمييز عنصري. وهي محاولات تهدف إلى مساعدة الطلاب العرب والمسلمين وتجنيبهم المخاطر. ولكن رغم دعم الجامعات لطلابها المسلمين إلا أن الشرطة بدأت بمحاولة التغلغل داخل هذه الجامعات للتعرّف أكثر على أنشطة الطلاب العرب والمسلمين، وأصبح موضوع الشرطة السرية أمرًا مألوفًا بالنسبة لنا في ذلك الوقت، فقد اعتدنا أن نجدهم يجلسون إلى جوارنا في القاعات ويثيرون موضوعات عن الثقافة العربية والإسلامية أو اللغة العربية والتاريخ الإسلامي. بعض الأساتذة كان يتعاطف مع وضعنا بصراحة وينتقد موقف بلاده ضدنا، وبعضهم كانت تساوره الشكوك ويعجز عن التغلب عليها فتظهر في تعليقاته وملاحظاته.
حينما جاء شهر ديسمبر، لم يقتصر التغير السلبي على الأنظمة والقوانين، بل تعدّى ذلك إلى تعاملات الناس اليومية وحديثهم العام وحتى نقاشهم الأكاديمي أحيانًا، وكان الحرم الجامعي يموج بالمحاضرات والأفلام واللقاءات التي تحاول شرح الأحداث وفهمها، ولكن النظرة التي تلت الصدمة كانت هي الشعور بالحقد ضد ماحدث، وكان الحقد موجهًا نحو "أولئك الغرباء القادمين إلى أمريكا لأخذ خيراتها وقتل شعبها". وهذه النظرة جعلت أي عمل يقوم به سعودي هو عمل مشبوه، فلو اندمج مع المجتمع قالوا إنه من الخلايا النائمة، ولو ابتعد عن الحياة الاجتماعية وانعزل قالوا إنه متشدد وإرهابي ويكره الناس. وباختصار، لم يعد سلوك الأجنبي طبيعيًا في نظر الأمريكيين. لازلت أذكر أنه حينما أرسلت مغلفًا بأوراق لها علاقة بالدراسة لمشرفتي الأكاديمية في جامعة واشنطن، أقامت حالة طوارئ حتى تتأكد أنّ المظروف ليس فيه مادة متفجرة أو سامّة. كان ذلك التصرّف مهينًا وتضمن إشارة بأن الوضع لا يشجّع على العيش في تلك المدينة، وحينها قررنا الرحيل بحثًا عن مكان أقل عنفًا.
الحديث يطول عن أحداث سبتمبر وخاصة في السنوات اللاحقة وماغيرته في حياة السعوديين في أمريكا. وتلك أحداث لن تنمحي من الذاكرة؛ فقد قلبت بعض المفاهيم وكشفت بعض القيم المستورة وتركت عقولنا وحياتنا في مواجهةٍ مع صراع ليس لنا خيار في تجنّبه. ولا ننكر أن ذلك الحدث هو بداية صفحة أخرى من العلاقات العالمية لازالت فاعلة على جميع المستويات.
1
من ذكرياته ورقة تهديد بالقتل وضعت على سيارتي وانا مبتعث في أمريكا مطالبينني بالعوده الى بلدي آنذاك ولم أرضخ لذلك التهديد وأكملت مسيرتي وعدت بالدكتوراه..
يامن "تطبلون" وتطلبون منا ان لا نعترض على كادر أعضاء هيئة التدريس الهزيل واننا فئة "مدلعه".. أقول هل تعرضتم لما تعرضنا له عام 2001؟
أنتم نسيتم أما نحن فلم ننس لأنها ذكريات وأيام عصيبة لن ينساها من مر بها.
شكرا لمن صاغ ذلك الكادر تقديرا لنا ولتضحياتنا بالغربه!!
04:29 صباحاً 2008/09/11
2
اقتباس
" أعلن من الغد في سياتل أن مجموعة من السكان تبرعوا بحماية المسلمين، ووضعوا أرقام هواتف لكي يتصل بهم أي مسلم يحتاج المساعدة، فمهمتهم هي مرافقة أي مسلم يريد الذهاب لقضاء احتياجاته الضرورية وحمايته من التعرض للأذى... الخ "
إنهم أهل سياتل الطيبون. هل تذكر عندما وضع بعض من سكان سياتل باقات من الورود عند بوابتي جامع الشيخ إدريس؟ عندما أتى حاكم الولاية و ألقى كلمة عند المسجد تضامناً مع المسلمين و تبرئة لهم من الفعلة.
إنها سياتل التي أحببت
04:46 صباحاً 2008/09/11
3
الحمدلله الي رجعك منها سالم غانم اخوك محمدالبخيت
05:39 صباحاً 2008/09/11
4
وما أن خرجت وركبت سيارتي حتى رأيته خارجًا من المطعم يحمل عصا حديدية ضخمة؛ وقد تيسر لي مغادرة الموقع قبل أن يصلني
الحمد لله على السلامه
07:27 صباحاً 2008/09/11
5
وش فيكم اليوم انت وزميلك فهد عامر الاحمدي ؟؟ عن نفس القضية ولو بطريق مختلف ؟؟ عموما شكرا لكما!! اه الان فهمت التاريخ ذكركما !
08:09 صباحاً 2008/09/11
6
هذه الامور تحدث في جميع العالم، فأنا اذا رأيت ان بنة التحتية لبلدي تدمر امام انظار عيني طبعاَ يكون لي رد فعل وخاصة ان اعرف ان وراء هذا فعل جماعات مثل القاعدة و التي وللأسف محسوب على المسلمين وبالاخص على العرب 0
09:05 صباحاً 2008/09/11
7
نحن دائما نمتلك كل ادوات الانتقائيه في اي موضوع عن امريكا , شعب المتناقضات فما كنا نتغنى بالامن وحريه الراي الديموقراطي حتى فتحنا النيران بعد 11 سبتمبر عليهم لتهديدهم للمسلمين!!
وفي نفس الوقت نشيد بوقوفهم مع المسلمين!!
ولكن في اعتقادي انهم بشر يتعاطفون مع ذويهم كأي كائن حي على البسيطه ولكن ما زلنا نتغنى بهم وما زالوا يساندون حكومتهم بإنتخابات او بأي شكل!!
وما زالت حكومتهم ترسل الاباتشي لقصف اخواننا ولن تبرح بوراجهم من الشرق الاوسط ما دام النفط تحت الاقدام!!
وما زالت الانظار متجهه نحوها!!
09:23 صباحاً 2008/09/11
8
صباح الخير. ذكريات مؤثرة وتحمل الكثير من الألم الذي يحكي قصة تتشابك خيوطها مع كل سعودي كان يعيش في أمريكا في ذلك الوقت، وهذا يجعل منها أكثر قربا لكل واحد منا لأنك تشرح معاناة الجميع. الحمدالله الذي أرجعك لوطنك وأحبابك سالما غانما ووفقك الله ماحييت وأعان الله كل مغترب ومغتربة. تحياتي
09:42 صباحاً 2008/09/11
9
ذكريات مرعبه حقيقه واعتقد انها صفحات لن تنسى من الذاكره،،
وهي شاهده على دور الاعلام الغربي الذي صور المسلمين كسفاحي دماء ومجرمي حرب،
والعرب خصوصاً كرعاة لكل مايحدث بالعالم من عنف وارهاب،،
حمداً لله على عودتكم بالسلامه،،
دمتم سالمين
10:57 صباحاً 2008/09/11
10
تجربة مؤثرة ومؤسفة ولكنك ولله الحمد عدت سالما وحاصلا على درجة الدكتوراه
فحياك الله ووفقك وماقصرت انت ومن معك من الدارسين المتميزين الذين صبروا وصابروا وتحملوا الأذى لكي يكسبوا العلم والخير.
ولك تحياتي
11:01 صباحاً 2008/09/11
11
ماأجمل كتابتك حتى للمواقف الصعبة والمخيفة..
ولقد مررتم بتجربة صعبة ولكن الحمد لله على السلامة
وهؤلاء الأمريكان يتخبطون ونحن نمشي وراءهم
ومافعلوه بالعراق هو ردة فعل لتلك الحادثة
والله المستعان
11:27 صباحاً 2008/09/11
12
أعانكم الله
تجربة مؤلمة
الحياة كانت فيها على المحك
12:12 مساءً 2008/09/11
13
أحداث لن تنمحي من الذاكرة؛ فقد قلبت بعض المفاهيم وكشفت بعض القيم المستورة وتركت عقولنا وحياتنا في مواجهةٍ مع صراع ليس لنا خيار في تجنّبه.
هذا هو بيت القصيد
وفقك الله
01:30 مساءً 2008/09/11
14
في كل بلدان العالم تحصل ردود فعل على الاجانب عندما يعملون شئ ما ليس بجيد بالطبع. السؤال يطرح نفسه لماذا نحن لسنا كذلك وخصوصا مع جنسيات معينة. انا هنا لااطالب بل اتساءل (:
01:39 مساءً 2008/09/11
15
احمد ربك انك نجوت، اعرف نارس رجعوا على طول وهناك من تعرض للاذى والتعذيب من الأمريكان.
كان الله في عونكم، والله انها تجربة مريرة بمعنى الكلمة.
ولا اقول الا الحمد لله على سلامة من سلم، ورحم الله وغفر لمن مات بسبب تلك العنصرية ضد العرب والمسلمين.
والله المستعان، هذه الدنيا دول وعبر.
01:45 مساءً 2008/09/11
16
ولا ننسى ان حروب افغانساتان ثم العراق جاءت بسبب تلك الاحداث
وقد مر الان عليها مايربو على سبع سنوات، فانظر اخي وتدبر الحال
01:46 مساءً 2008/09/11
17
ايام صارت من الذكريات
02:08 مساءً 2008/09/11
18
نشكرك
و نتمنى مواصلة الحديث عن هذه الذكريات
05:04 مساءً 2008/09/11
19
الحمدلله الذي أرجعكم بالسلامة
والله يحفظكم ويرعاكم دايم الدوم
05:08 مساءً 2008/09/11
20
الحمد لله على السلامة
06:17 مساءً 2008/09/11
سجل معنا بالضغط هنا