حقائق ربما كانت غائبة عن أذهان الجيل الشاب عما كان عليه محيطه وما آل إليه. وكيف كانت بيئته العمرانية والسكانية في السابق.
لم يكن للتشريع العمراني وجود في المملكة العربية السعودية في السابق إلا في بعض مناطق منها كانت توجد فيها أرضية الإلزامية بالعرف السائد، ولم تكن تحكم البيئة السكانية قرارات ملزمة او حاسمة، فقد كان البناء يقام حسب التكيف وبأفكار ليس فيها من المحاسن سوى أن الناس قد قبلوها واعتمدوها رغم كونها ليست النموذج الأمثل..
امام الحركة الحضارية الحالية من الانجازات البيئية.
وأمام هذه الأكيال الكثيرة من الطرق السريعة والعريضة جداً.
وأمام تلك الجسور العملاقة.. والشوارع الفسيحة، القليلة الالتواء والانحرافات المفاجئة.
كيف "يتفق" الجار مع جاره عبر الشارع الصغير لكي يبني الاثنان "قبة" تعتلي الشارع لتكون إضافة الى منزل أحدهما وبنفس الوقت يستظل بها المارة من وهج الشمس أو من هطول الأمطار؟
قد لا تكون التحولات الكبيرة في حياتنا البيئية قد أنستنا أن الاهتمام بإشباع الحاجة الفردية كان دافعنا الأول في سلوكنا، حتى لو اوجد ذلك الاهتمام تصادماً حاداً مع القاعدة العامة، فمادام الجار سيتقاسم المنفعة مع جاره فما شأن الناس الآخرين بذلك!..
أرأيتم؟
أنماط التفكير كانت منصبة على مواءمة رغبات خاصة، رغم أن تلك الرغبات الخاصة لم تكن تمثل كل الضرر للناس، وإن كانت تمثل بعض العوائق.
كانت الأنظمة العمرانية شبه معدومة و"أهل الصنف"، هم المرجع في حالة نشوء النزاع.. ووجود عائق أمام مجرى السيل قد يدعو الى "تكوين لجنة" بلغة العصر!.. لتتبع انحدار السيل والتأكد من اتجاهه.. ولم تكن إمكانية الإبداع والابتكار معدومة عند بعض أو كل أعضاء لجنة "أهل الخبرة" فتجدهم دائماً يقفون على أبعاد المشكلة وعناصرها ويحكمون بما يرضي الطرفين المتنازعين..
التحولات العصرية دعتنا الى توسعة الخطى والى التغيير لأننا وجدناه الخيار الأمثل.. جئنا بالبلديات والأنظمة العمرانية فالأنظمة تجعل الفرد أكثر إحساسا بالمسؤولية من اجتهادات فردية.
لكن، يظهر لي ان التحولات الكبيرة تلك قد جعلتنا ننسى عاملاً بشرياً مهماً في تنظيم حياتنا.. أو إيجاد مراقبين فيهم الكفاءة والكفاية لخلق روح الأساس بتلك المنجزات.
وددتُ أن آخذ مركبات النظافة كمثل مشاهد في حياتنا اليومية.. فإننا - وربما بسبب عدم ارتباطها بحياة الأفراد المباشرة - وجدنا أن وساختها وشكلها البغيض أصبحا منظراً مألوفاً ومقبولاً.. وقبلنا كونها متسخة دائماً ومنظرها كريهاً.. وهذه المركبات في البلدان الغربية هي المرآة العاكسة لنظافة أهل الجوار، واهتمامهم.. فنجدها يُجرى عليها التنظيف اليومي، وحتى التلميع، والتعقيم وتوثيق وصيانة عناصر الأمان، ومراقبة الكابحات، وأسلوب الوقوف.. فإذا مرّت في الشارع أو توقفت في ساحة فإن الروح المعنوية للمواطن ترتفع، ولا يفرقها عن المركبات العادية إلا شكلها المحكم، ووقوفها اللائق والمناسب.
هذا الذي جعلني أقول إن الحاسة الفردية (القبّة)، و(مجرى السيل)، كانت ثقافة لازمتنا، ونسينا مع الزحف الحضاري ما يجب أن يراه المجموع.