إدارة الورق.. وإدارة الأشخاص؟؟!!
هناك رواية "إدارية" قديمة مضمونها أنه خلال عقد السبعينيات الميلادية من القرن الماضي قررت احدى الشركات التجارية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية تعيين مدير عام للشركة.. حينها قرر مجلس إدارة الشركة وبسرية تامة أن يكون الاختيار لهذا المنصب مقتصراً فقط على احد مديري فروع الشركة المنتشرة في الولايات.. وبعد عملية تقييم دقيقة وشاقة تم حصر الترشيح في اثنين من مديري الفروع بعد ان ثبت أن أداء وإنتاجية مديري هذين الفرعين متكافآن جدا من كافة الجوانب مما جعل عملية اختيار احدهما لهذا المنصب ترفع لرئيس مجلس الإدارة ليقرر شخصياً اختيار أحدهما !!
حينها قرر رئيس مجلس الإدارة القيام بزيارة لكلا الفرعين من أجل أن يقف شخصياً على طبيعة أداء هذين الفرعين ومعرفة شخصية المرشحين مباشرة قبل اتخاذ القرار دون ان يعلما عن القصد من هذه الزيارة ..
وعندما وصل رئيس مجلس الإدارة إلى ولاية الفرع الأول وجد مدير الفرع في استقباله في المطار.. وعندما طلب منه رئيس الإدارة ان يبقى في مكتبه لأداء العمل فأجابه مدير الفرع بأنه أوجد في الفرع أشخاصاً ومديري أقسام ومسؤولين يثق فيهم وأوكل إليهم إدارة دفة العمل وفق اختصاصات ومسؤوليات منظمة بدقة لكل منهم وان دوره فقط هو إشراف وإدارة هؤلاء الأشخاص لذلك فانه سيرافقه طيلة برنامج الزيارة لأن سير العمل ومستوى الإنتاجية ليسا مرتبطين بتواجده المستمر في مكتبه !!
وفي مكتب مدير الفرع لاحظ رئيس مجلس الإدارة ان المكتب هادئ جدا وشبه مفتوح وخال من الأوراق والملفات.. وخلال الزيارة حرص مدير الفرع بشدة على إتاحة الفرصة لجميع مديري الإدارات والأقسام وكبار موظفي الفرع لمقابلة رئيس مجلس الإدارة والسلام عليه معرّفا بشخصية كل واحد منهم ودوره ووظيفته وبمهامه وبإنتاجيته بإشادة وبإسهاب كبير وعلني مكررا أن هؤلاء الأشخاص هم بكل فخر من يعملون بصدق وإخلاص !!
وعندما وصل رئيس مجلس الإدارة إلى الفرع الثاني في الولاية الأخرى لاحظ أن مدير الفرع لم يكن في استقباله في المطار!! عندها ذهب مباشرة إلى مقر إدارة الفرع ووجد مدير الفرع على رأس العمل في مكتبه غارقا بين كم كبير جدا من الأوراق والملفات والأعمال والاتصالات كما لاحظ وجود عدد كبير من الموظفين والمراجعين الذين ينتظرون مقابلة مدير الفرع.. كما لاحظ رئيس مجلس الإدارة ان مدير الفرع يبذل جهوداً عملية كبيرة وشاقة ومتواصلة ويتواجد على رأس العمل لساعات طويلة تمتد إلى آخر الليل فهو يتولى بنفسه إدارة العمل والاطلاع على كل مجريات الأداء أولاً بأول من خلال لقاءات واجتماعات متواصلة ومستمرة مع كافة مديري الأقسام والمسؤولين في الفرع الذين اعتادوا على الحضور او الاتصال بمكتب مدير الفرع فقط لأخذ الموافقة او التوجيه في أي موضوع حتى في أدق تفاصيل العمل والإنتاجية وعلى مدار الساعة تقريباً حتى وهو في منزله..
وفي نهاية الزيارة سأل رئيس مجلس الإدارة عن مقابلة المسؤولين في الفرع لكن مدير الفرع اعتذر عن حضورهم معللا بان الكل في عمله كما قدم اعتذاره لرئيس مجلس الإدارة عن عدم تمكنه من استقباله او توديعه في المطار معللاً ذلك بأن مصلحة العمل تتطلب منه التواجد على رأس العمل خلال هذه الأوقات !!
وعند عودة رئيس الإدارة اجتمع إلى مجلس الإدارة وأبلغهم أنه قرر اختيار مدير الفرع الأول لمنصب مدير عام الشركة لسبب رئيسي ومهم وهو أن مدير الفرع الأول استطاع تحقيق هدفين رئيسيين الأول: تحقيق نتائج إيجابية موازية للنتائج التي حققها زميله مدير الفرع الثاني.. والهدف الثاني أن مدير الفرع الأول استطاع تهيئة وإعداد "جيل" إداري قيادي ذي كفاءة عالية قادر على إدارة دفة العمل بنجاح وبكل سلاسة وسيكون هذا الجيل الإداري القيادي مهيّأً للمشاركة في إدارة العمل في إدارة الشركة في المستقبل في شتى المهام.. لذلك فقد تأكد له ان مسؤولية ومهام الإداري الناجح لا تتوقف فقط على ادارة العمل وتحقيق مكاسب مادية بل ويجب معها أيضا تحقيق مكاسب أخرى! من خلال صناعة وإعداد كفاءات إدارية مميزة يمكن الاعتماد عليها في المستقبل.. وأن إدارة الأشخاص بعيداً عن (المركزية الإدارية) من أهم وأصعب مسؤوليات الإداري القيادي ؟؟
بينما أداء وإنتاجية الفرع الثاني ونتائجه معتمدة كليا على مديره وبمركزية شديدة ومن المؤكد أنه في حالة غيابه أو عدم تواجده لأي ظرف ستختل او تتوقف درجة العمل في الفرع وهذا أسلوب إداري شخصي (مركزي بحت) لا يخدم الشركة !!
السؤال والعبرة من هذه الرواية هو: كم هو عدد الحالات التي تتجسد فيها صورة هاتين الحالتين في واقعنا الإداري !! وكل عام وهذا الوطن دوماً بألف خير إن شاء الله ..؟؟