يقال إنه في أحد عهود الملكية البريطانية ان قصر (باكنغهام) تم تجديد طلائه، والتزاماً بأنظمة القصر وضِع حراسٌ ينبهون الداخلين والخارجين من الزوار والموظفين بالحرص على عدم الاقتراب من الحيطان، وأن هذه الوظائف التي كانت الغاية منها مؤقتة دامت عشرات السنين حتى بعد جفاف الطلاء، وتغيير ألوانه، ونحن لدينا تقليد مماثل في الوظائف، عندما استحدثت وزارة المالية "الممثل المالي" والذي أصبح الرقيب المُعطِّل للاعتمادات والمصروفات في كل الوزارات والتي أُلزمت بإيجاد مكتب لسيادته يوازي مكتب سعادة الوكيل ودون الوزير، ومهمته أن تعرض عليه الحركة المالية وسيرها وله مطلق الحرية، بالنظام ودونه، حق فسح المعاملة، أو إيقافها بنظامٍ، أو اجتهاد شخصي، وقد قيل إن هذا التكليف جاء نتيجة خلاف وزيرين أحدهما وزير المالية الذي فرض هذا الإجراء والرقابة..
وإذا كانت الغاية هي التدقيق في المصروفات والواردات وتقويم الأداء الوظيفي للأجهزة المالية، فبوجود هيئة الرقابة والتحقيق، والتي هي الأوءلى بوضع الممثل المالي، لا ضرورة لمندوب وزارة المالية، وإلا يظل تقليداً بدون معنى، لأن الأصل في الاعتمادات للميزانيات وجداول المصروفات والالتزامات التي تخص المشاريع، وحتى النثريات العادية، أنه متفق عليها بين قطاع جهاز وزارة المالية شبه المركزي، وجميع الوزارات والدوائر الحكومية، ولعل الشكوى المُرة، التي عشت طرفاً منها عندما كنت موظفاً حكومياً، لا تزال قائمة إذ يتعذر على الوزير أو الوكلاء أوغيرهم البت في أمور مالية لا يزكّي فعلها أو إعطاءها شهادة المرور والسلامة الإجرائية إلا سعادة الممثل المالي، والذي عادة لا يحضر للوزارة المكلف بها إلا مرة أو مرتين في الأسبوع، وأستغرب أن المعنيين برسم السياسات وإعطاء الصلاحيات من رتبة الوزير، وحتى المدير العام، تكيفوا مع تلك التعقيدات بدون احتجاج، أو على الأقل الاعتراض على هذه الوظيفة التي وجدت بلا معنى إلا تعطيل حقوق الناس ولا يلحق صاحبها أي لوم..
ثم إذا كان هذا النظام يستدعي استمرار هذه الوظيفة الزائدة، والتي تمنح وزارة المالية صلاحيات فوق صلاحيات الوزراء، وبواسطة المندوب (السامي) أوالممثل المالي، فإن هناك رقابة أمنية تستدعي وجود ممثل لوزارة الداخلية، أو لوزارة الخدمة المدنية، والعمل، وحتى الخارجية لإبلاغ سفاراتها بالخارج عن إجراءات المنتدبين والممثلين والطلبة وغيرهم..
توزيع الصلاحيات من الأمور التي يقررها مجلس الوزراء، أو صاحب القرار الأعلى، ووجود ازدواجية بين وزارة تضع نفسها في مقام صلاحيات المجلس أمر غير منطقي، وأتمنى فقط تقديم أسئلة لكل العاملين في دوائر الوزارات للشؤون المالية بأن يعرّفوا مدى صلاحية الممثل المالي، ودوره في الإنجاز والتعطيل، وهل من حق وزارة المالية بعدما درست ووقّعت واعتمدت ميزانيات الأجهزة الحكومية أن تكون الرقيب المطلق عليها؟
لقد تغيرت أشياء كثيرة، وبوجود الإدارة المتطورة وتأهيل الأشخاص، ونزوع العالم للإدارة الإلكترونية الحديثة، لا نعتقد أن سيادة الممثل المالي هو الزاكي والمزكّي لأي ريال يدخل، أو يخرج من الدوائر الحكومية ليلحق الشك بكل الدوائر، وهو أمر يخالف الأمانة واليقين..