بحث



الخميس4 رمضان 1429هـ - 4 سبتمبر 2008م - العدد14682

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


إيقاع الحرف
ثقافة المبالغة في حياتنا

ناصر الحجيلان
    في لقاء تلفزيوني مع أحد وزراء التعليم في دولة عربية شقيقة، تحدث معالي الوزير عن مميزات التعليم في بلده، ومن ضمن ماذكره في ذلك اللقاء قوله بأن الطلاب والطالبات قد وصلوا قمّة الرقي لدرجة أنهم يتحدّثون اللغة الإنجليزية أفضل من الأمريكان والإنجليز ألف مرة، وزاد بأن أفضل نطق للغة الإنجلزية هو ما يقوم به الناس في بلده.

لن أناقش مايثيره الحديث السابق من قضايا مثل ربط جودة مخرجات التعليم بامتلاك لغة أجنبية، أو اعتباره اتقان مهارة النطق دلالة على وصول قمة الرقي، أو جعله الإنجليزية لغة صعبة النطق لدرجة أن من يجيد نطقها يعد متميزًا وغير ذلك من القضايا التي يثيرها حديث معالي الوزير ورؤيته للتعليم؛ ولكن الأسطر التالية ستقتصر على مناقشة موضوع فكري يتمثل في استخدام صيغة المبالغة في الحديث وكأنها عبارة حيادية.

وفي البداية لا بد من ملاحظة أن المبالغة في كلام معاليه تضمنت معلومات غير دقيقة، ولكن بسبب ورودها ضمن صيغة المبالغة فلم ينتبه لها عقله، وإلا كيف يمكن القول بأن شخصًا من لغة أخرى ومن ثقافة مختلفة يصبح "أفضل" من متكلمي اللغة الأصليين إلا على سبيل المجاز؟. أما قوله "ألف مرة" فهذا وصف فضفاض يصعب قياسه ولايمكن التحقق من صحته، لأن تقدير الأفضلية بحد ذاته هو تقدير نسبي، ولأننا لانعرف مقدار الأفضلية هذا، فكيف يكون الأمر بمضاعفة "الأفضل" إلى عدد من الأرقام؟ وهل ثمة فرق بين أفضل مائة مرة أو ألف مرة أو عشرين ألف مرة مثلا؟ وهل يبقى "الأفضل" كما هو في حال مضاعفته أم أنه ينزل درجة أقل ويصبح أقل أفضلية؟

وكلام معالي الوزير ليس جديدًا على ثقافتنا، فالناس يستخدمون عبارات مشابهة في الوصف في جانبيه الإيجابي والسلبي، فمثلا نسمع قولا مثل: "أسوأ منه ألف مرة"، "الأجمل على الإطلاق"، أو "كل الناس يعرفون أني صادق"، وهناك من يغلف صيغة المبالغة بنسب مئوية توحي شكليًا بالدقة العلمية، ولكن هذه الدقة لاتصمد في استخدامات مثل: "مائة بالمائة من الناس يؤيدون الموضوع"، أو "مائتين بالمائة"... إلخ.

ولابد من الإشارة بأننا أبناء ثقافة المبالغة في القول إلى درجة أن جملة تخلو من "جدًا" أو "جدًا جدًا" أو "للغاية" أو "بالمرة" أو "إلى أقصى حد" لا يعوّل على مضمونها كثيرًا وكأنها تفتقر إلى الصدق، وأن جملة تخلو من أدوات التأكيد مثل "إن" و"قد" أو "والله" و"أقسم بالله" و "قسمًا عظمًا"..إلخ قد توحي بالشك والريبة.

ومن السهل ملاحظة صيغ المبالغة في كلامنا عند ترجمته إلى لغة أجنبية كالإنجليزية، فنجد أن الترجمة الحرفية تبدو مضحكة كما يظهر في أساليب استهلال الكلام وختامه أو في الأوصاف العاطفية والتقريرية، أو أساليب التكرار في عبارات التحية. وقد استغل أحد الأمريكان في محاضرة ألقاها في إنديانا أواخر عام 2004هذه الصفة لكي يستنتج أن العرب غير دقيقين في كلامهم وأن ثقافتهم قائمة على الكذب، ولهذا رأى -من منظور سياسي- أنه ليس مطلوبًا أخذ ما يقوله العرب على محمل الجد.

والحقيقة أن ثمة هوة بين خطابنا والخطاب الغربي بسبب اعتيادنا على التعامل مع كلام يعتمد على عنصرين هما: تضخيم الكلام، والركون إلى اليقين. وتضخيم الكلام يكون بالمبالغة والتهويل بهدف إثارة الاهتمام، والركون إلى اليقين يكون بتقديم جمل تقريرية حادّة وأحكام قطعية صارمة لاتقبل الاستدراك بهدف التأكيد على الصرامة والجديّة.

وهناك خلط بين خطابين: الخطاب البلاغيّ الأدبيّ، والخطاب اليومي الإيصاليّ. الأول يندرج تحت باب الفن الذي يجيز الجنوح إلى المبالغة وعدم المباشرة بل والمراوغة في الخطاب، فالفن يظهر حين ينحرف عن الواقعيّ والمرئيّ. أما الخطاب اليومي الذي هدفه الإيصال، فيتسم بالمباشرة والوضوح والدقة ويتخلص من معوقات التلقي: كالديباجات البلاغية، والمقدمات المزركشة بالبديع، والنتوءات الناتجة عن الاستطرادات والصور المجازية.

ولاعتمادنا على الخطاب الشفهي، فإننا نخلط بين هذين المستويين من الخطاب عن طريق استخدام المبالغة وكأنها ممثلة للحقيقة في كلمات تغلف عباراتنا مثل: "كل"، و"دائمًا"، و"منذ الأزل"، و"إلى الأبد".

أما استخدام المجاز في الكلام العادي فهو أمر متروك لما تسمح به طبيعة اللغة وذكاء مستخدميها، وقد ذكر كل من عالم اللغة لاكوف (George Lakoff) وعالم الاجتماع جونسون (Mark Johnson) في كتابهما عن "المجازات التي نحيا بها" (Metaphors We Live By) أننا نتحدث بالمجاز طوال الوقت. ولم تغب هذه السمة عن ديفيد جستس (David Justice) في كتابه الذي ترجمه إلى العربية عالم اللسانيات الدكتور حمزة بن قبلان المزيني بعنوان "محاسن العربية في المرآة الغربية"، إذ ناقش في الفصل الثاني بعض المغالطات والأحكام المسبقة التي تلصق بالعربية، ومنها: الانتفاخ والعنف، والإطناب، والازدواجية المعاصرة، واللبس، والتلاعب بالكلمات وغيرها من الظواهر اللغوية التي فصّل في تحليلها وعرض الآراء النمطية حولها وفنّدها بحجج علمية من واقع اللغة.

ويتضح أن مشكلة المبالغة في الثقافة العربية ليست بسبب اللغة ذاتها وإنما هي مرتبطة بآلية نقل الفكرة من العقل إلى اللسان عند تحويل الفكرة "الهيولية" في المخ البشري إلى كلمة أو كلمات ذات دلالة. وهي عملية ذهنية معقدة وليست مقصورة على العربية وحدها، ويمكن البحث عن أصول هذه المشكلة في نظم التعليم التي تعتمد على النقل والحشو دون تفعيل حقيقي لعمل العقل. ويعاني من يتعامل مع بعض طلاب الجامعة، وكاتب هذه السطور أحدهم، من ظاهرة المبالغة في وصف الحقائق والتعبير عن الظواهر ونقل الأحداث مع عدم الاحتراز من الحدّة والجزم والقطعية في الحكم.

ويمكن القول بأن مشكلة المبالغة هي أزمة فكرية تظهر من خلال صياغة الكلمات، وبوسع اللغة خلق خطاب منطقي محايد لا تعوزه الدقّة ولا تصدّعه المبالغات ولا يترهل بسبب التكرار والإطناب. أما العقل المبرمج فإنه يرتكب المبالغة حتى لو تكلم بلغة أخرى غير العربية كما نرى ذلك في المسلسلات التاريخية المدبلجة باللغة الإنجليزية التي تعرضها القناة الثانية هذه الأيام، ومن يتابع تلك المسلسلات يجد أنها تقدم لغة غير طبيعية لا تمثل اللغة الإنجليزية حتى وإن قيلت بكلمات وأصوات إنجليزية.

12 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


نحن بدون مبالغة لاتجدنا
إن أحببنا -- أحببنا بعنف وبمبالغة حتى يصير من نحب فوق مستوى البشر..
وإن كرهنا-- نكره بعنف وبمبالغة حتى يصير من نكرهه تحت مستوى الحيوان.
هكذا تعلمنا وهكذا تربينا وهكذا نشأنا..


منور الرويلي
ابلاغ
08:35 صباحاً 2008/09/04

 


كلام جميل شكرا


saeed
ابلاغ
10:50 صباحاً 2008/09/04

 


نعم صدقت يااخي فالمبالغة شيء اساسي في لغتنا وربما في ثقافتنا لان لغتنا هي ممثلة لافكارنا وافكارنا هي ثقافتنا..


سعد الرفدي
ابلاغ
11:21 صباحاً 2008/09/04

 


ليست المشكلة في اللغة كما ذكرت ولكن المشكلة فيمن يستخدم اللغة..
اوافقك بوجود خلط بين خطابين: "الخطاب البلاغيّ الأدبيّ، والخطاب اليومي الإيصاليّ..

هذا الخلط هو المشكلة


Hamdan
ابلاغ
11:29 صباحاً 2008/09/04

 


هذا الوزير ذكرني بصاحب التصريح المشهورقبل بضع سنوات الذي قال :
‏(مخزون المياه لدينا يكفي لتغدية نهر النيلسنة).
المبالغات كثيرة،والعين بصيره يادكتور ناصر.
تقبل تحياتي.
سعود / حائل


سعود
ابلاغ
12:10 مساءً 2008/09/04

 


ياحجيلان هل نسيت ان سيبويه هوالفارسي الذي الف كتاب الكتاب الذي عجزالنحاة من فطاحلة اللغة نفسها ان يجاريه وهو فارسي والبخاري كان هوالناقل الرسمي لأحاديث نبي الرحمة وكذا الامام مسلم فكروا جيد فمحيطنا الخليجي تقدم علينا في عدة مجالات ونحن لازلنا نعتقد اننا في المقدمة وننظم مثل هذه المقالات التي تمحص اخطاء الآخرين بينما نحن مازلنا نبحث عمن يستطيع الكلام عن بعض اخطائنا


علي جباس القرني
ابلاغ
02:33 مساءً 2008/09/04

 


احنا شعب عايش على المبالغات في كل شي
شوف مثلا الواحد لما يبي يسوي عزيمه يبالغ
ولما يبي ياكل او يشرب يبالغ
فحياتنا يادكتور ناصر قائمة على المبالغة
مو مقتصرة على الكلام بس
ولك تحياتي على هالمقالة


سمير
ابلاغ
03:48 مساءً 2008/09/04

 


حبيت بس أقول أن تصريح الوزير العربي مضحك جدا ومثير للشفقة وهذا حال العرب بصفة عامة من الناحية الفكرية والاجتماعية فمشاكلهم غريبة ومنبع كثير منها مبالغات في كل شئ حتى أنك تعتقد أنهم غير البشر...لكن أتوقع الموضوع مجموعة من عوامل ثقافية ومشاكل تربوية وأحيانا عقلية في طريقة التفكير وهذا يحتاج تدخل طبي. أعرف أن العرب لايهتمون بسلامتهم النفسية والعقلية حتى أن عيادات الطب النفسي هي عندهم للمجانين ولكن المراقب للوضع يلاحظ أن الأمراض النفسية عندنا مستشرية بلارعاية طبية تذكر وهذه أكبر مشكلة!
شكرا لك


suzana
ابلاغ
03:48 مساءً 2008/09/04

 


أحسنت العرض والتحليل
فمشاكلنا اكثرها مشاكل عقلية وليست شكلية..


ياسر
ابلاغ
07:38 مساءً 2008/09/04

 10 


أحب أن اقتتبس من كلامك قولك: ((ولاعتمادنا على الخطاب الشفهي، فإننا نخلط بين هذين المستويين من الخطاب عن طريق استخدام المبالغة وكأنها ممثلة للحقيقة في كلمات تغلف عباراتنا مثل: "كل"، و"دائمًا"، و"منذ الأزل"، و"إلى الأبد". ))
فهذه هي لب الموضوع الذي يدل بالفعل على الوضع الثقافي الذي تعيشه العقول العربية. وخير مثال لذلك تصريح معالي الوزير اللي لااستطيع ان اقول الا الله يرحم من هو وزير عليهم.
والسلام


Eng. Salim
ابلاغ
12:26 صباحاً 2008/09/05

 11 


أشكرك على الطرح وان كنت ارى ان المبالغة في مثل هذا الشي جيدة ليتنا نحاول التغير ونتعلم اللغة الانجليزية التي اصبحت عائق امام الكثير من الشباب والشابات في كثير من الوظايف
والى متى ونحن نتخرج من الجامعات ولا نجيد الا بعض الكلمات الانجليزية التي علقت بأذهاننا


stop..im..top
ابلاغ
02:37 صباحاً 2008/09/05

 12 


الله يعافيك
حللت الموضوع بدقة وتفصيل
وماقصرت!


إبراهيم الرويس
ابلاغ
03:07 صباحاً 2008/09/05


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية