جاء رمضان شهر المغفرة والرحمن، فيه ترفع الأعمال وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ويتسابق المتسابقون لفعل الخير والعرفان، ولكن مع الأسف الشديد كثير من الناس يستغل هذا الشهر الفضيل لمنافعه الشخصية قادماً من هنا أو هناك، طارقاً الأبواب متوسلاً للعطايا والصدقات، مدّعيا الفقر والعوز ويستدر عواطف ذوي القلوب الرحيمة مدعيا بأنه من أصحاب الحاجة علماً بأنه يخادع نفسه ليكسب من الدنيا ما هو ذليل.
ومع حلول هذا الشهر الكريم، تكثر حالات التسول في المساجد والطرقات، وأحيانا طرق أبواب المنازل في أي وقت دونما استئذان، وقد تطرق أحد رؤساء تحرير الصحف الإماراتية وكتب مقالا حول "موسم الشحاذين" ومعاناة الإمارات من دخول أعداد كبيرة جداً من (المتسوّلين) تحديداً، خصوصاً في هذه الفترة من العام على مشارف شهر رمضان الكريم، بطريقة قانونية، وبتأشيرات (رجال أعمال)، ومن المنافذ الرسمية، بكل ثقة ورباطة جأش، من دون أن يلتفت إليهم أحد.
وتساءل عن كيفية دخول هؤلاء المتسولين بتأشيرات رجال أعمال بالرغم من أن بعضهم تبدو عليه بوضوح شديد علامات التسوّل من النظرة الأولى، وبعضهم يحمل إعاقة واضحة، سواء في يديه أو رجليه، ومعظمهم لا يمكن أن يكونوا رجال أعمال، مهما حاولوا التنكّر والتخفي، فالكتاب واضح وبيّنٌ من عنوانه، ومع هذا يدخلون بكل سهولة، من دون أن يعترضهم أحد، أو يدقق في المعلومات الموجودة على التأشيرة أحد!
مستغرباً وجود (شحاذين) محترفين، ومنظمين، تماماً كما في الأفلام، أعضاء مفقودة، أو أمراض واضحة، وأشكال عجيبة غريبة، وهذا ما سيلاحظ في المساجد بعد صلاة التراويح، وفي الأسواق والمراكز التجارية. أساليب عدة ومنوّعة، والهدف واحد، والسؤال الذي يطرح دائماً عند مشاهدة هؤلاء هو: (كيف دخلوا البلد)؟! دخلوا البلاد لأن التدقيق يتم على الأوراق فقط، التي يسهل استخراجها و(تزويرها) أحياناً، في كثير من الأحيان لا ينظر الموظف في وجه القادم، ويركّز فقط على الجواز..لا يلتفت أحد إلى الشكل أو المظهر، ولا يسأل أي موظف نفسه، كيف لهذا (مقطوع اليد) أن يحصل على تأشيرة زيارة، من دون أن يكون له أقارب مثلاً، وتساءل الكاتب "كيف لرجل أعمال يمتهن التجارة، وشكله وحتى (شنطه وحاجياته) لا توحي بأنه من رجال الأعمال".
في السياق نفسه أعلن مدير إدارة الجنسية والإقامة في دبي، أن موظفي الجنسية أعادوا 280شخصاً إلى بلدانهم، بعد وصولهم إلى مطار دبي الدولي، بعدما اكتشفوا (تزويراً في البيانات، إذ قدموا إلى دولة الإمارات بتأشيرات على أنهم رجال أعمال، وهم ليسوا كذلك). وأضاف أن موظفي جوازات مطار دبي الدولي (ضبطوا 284جواز سفر مزوراً خلال الأشهر الثمانية الماضية، لدى محاولة أصحابها الدخول إلى الإمارات عبر المطار)، وأكد أن (لموظفي الجنسية في مطار دبي الدولي الحق في سؤال أي مسافر، في حال الشك بالوثائق التي يحملها)، مشدداً على أهمية (الدور الخدمي والأمني الذي يؤديه موظفو الجوازات في إدارة الجنسية بمطار دبي الدولي، خصوصاً في ما يتعلق بوعي الموظفين من الناحية الأمنية والتقنية خصوصاً في هذه الأيام.
مما سبق نستطيع القول أن هذه الظاهرة موجودة في جميع دول الخليج وبنسبة أكبر في المملكة العربية السعودية، لا سيما وأنها تستضيف الذين يأتون بداعي الزيارة والعمرة أو يتخلفون عند أداء فريضة الحج.
وأغلبهم يحمل (صكوكاً) تشير إلى أنه تعرض لحادث مؤسف وتسبب بوفاة عدد من الأشخاص، وعليه دفع مبالغ مالية ضخمة لا طاقة له بها، ومنهم من يحمل طفله بين ذراعيه و"يستخدمه" ليستدر به عواطف الناس مدعياً انه لا يجد لطفله مأوى أو مأكلاً أو علاجاً.
ومنهم من يقول لك عند رفضك الاستماع إليه (أما السائل فلا تنهر) فالرد عليه يكون بأنك لست المقصود بهذه الآية الكريمة وأنك بعيد بعد السماء عن الأرض من هذا القول، وعلينا هنا أن نتذكر قول الرسول صلى الله عيه وسلم،: "لَأَنء يَأءخُذَ أَحَدُكُمء حَبءلَهُ فَيَحءتَطِبَ عَلَى ظَهءرِهِ خَيءرٌ لَهُ مِنء أَنء يَأءتِيَ رَجُلاً أَعءطَاهُ اللَّهُ مِنء فَضءلِهِ فَيَسءأَلَهُ أَعءطَاهُ أَوء مَنَعَهُ".
ونحن لا نريد الانتقاص من حق أحد أو تثبيط الهمم وفعل الخيرات فالصدقة لها من يستحقها ورب فقير ومسكين متعفف لا نشعر به وهو بأمس الحاجة، ولكن ظاهرة التسول في بلادنا خلال شهر رمضان أضحت ظاهرة مقلقة لافتة للانتباه وتثير مخاوف أمنية واجتماعية خطيرة.
صحيح أن النفقة في رمضان مضاعفة ألف مرة ولكن لتذهب هذه الصدقة إلى محلها الصحيح ويستفيد منها من هو أهل لها وهذا الأمر هو من اختصاص جهات رسمية معروفة ومرخصة من قبل الدولة وهم أدرى بمن يستحق الصدقة.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور".
نتمنى أن يكون هذا الشهر الفضيل شهراً لعبادة الله والتوسل، وليس للتسول .. تقبل الله صيامكم وقيامكم وبارك في صدقاتكم .. والله من وراء القصد.
@ المدير الإقليمي لمكتب دبي