.. وماذا عن مجتمعات شابة متخلّفة؟!
زاوية أمس كانت "عن المجتمعات الشائخة" والتي بالفعل تعيش أزمة نقص المواليد وطبقات الشباب، لكن ماذا عن الشعوب ذات التوالد السريع، غير المقنن أو المحدَّد، وهي لا تضع ضوابط للإنجاب أسوة بالمجتمعات المتقدمة، وثقافة الأسرة ومعمارها؟..
العالم الثالث هو من تتركز فيه الأعمار الشابة والمتنامية، والسبب أن طرفيء العلاقة - الأم والأب - غير مباليين بتراكم الأبناء والبنات إذا كان الوعي لديهما متدنياً، وأن الدوافع تأتي تحت نظام تقليدي متوارث لا يشكل الاهتمام بنظام الأسرة المتطورة أو رفع مستواها المعيشي والتربوي وفي ظل هذا الجهل تجد مضاعفات الأميّة تستمر بنسب الزيادات السكانية لتصبح تلك المجتمعات المستودع للأمراض والوفيات والأمراض المتناقلة والمستوطنة، وقد جاءت دوافع الهجرة إلى العالم السحري الذي يوفر الغذاء والثراء، والحرية، الحافز لذلك التدافع بالهروب من بلد المنشأ الى بلد الحلم، لكن الحقيقة معاكسة لتلك التصورات عندما أصبحت المهن المتدنية والرديئة تُعهد لفئات عمرية شابة في مدن العالم المتقدم، ولعل شعورها بالغبن والممارسات العنصرية دفعها لاحتراف الجريمة وصعوبة الاندماج في مجتمعات الهجرة، وهو ما يتطابق مع أبناء المهاجرين الأوائل والمصنفين بالأجناس المرفوضة وذات الحقوق المتدنية..
في وطننا العربي الأرقام الإحصائية تقول إننا مجتمعات شابة، لكنها عشوائية تفتقد للتخطيط البشري والاجتماعي، مما جعلها فئات هامشية عاطلة تتجه الى تحقيق ذاتها بسلوكيات متضادة مع نواميس وتقاليدنا العربية، ولعل واقع الجوع والتشرد لهذه الفئات العمرية هو الذي وجهها الى حالات الغياب التام بواسطة المخدرات أو الانتماء لعناصر التطرف والإرهاب، لأن أي مجتمع غير خلاق ولا يملك توظيف طاقاته البشرية وتطويرها، تصبح هذه الأجيال نقمة بدلاً من تدويرها في حلقات الإنتاج والإبداع، والقيمة الفاعلة، ولعل تتالي الأزمات مع النمو السكاني لا يعني شحاً بالبيئات الطبيعية العربية، وإنما بالفساد الإداري والسياسي، اللذين تسببا في عزلة السلطات عن الشعوب لتفتقد للتخطيط البشري الذي وضعته الدول المتطورة على لائحة ديمومة إنجازاتها، والعلامات البارزة في الدول ذات الكثافة السكانية مثل الصين والهند وحتى أندونيسيا، حيث تحولت إلى طاقات بعائدات مادية داخلية وخارجية، حتى إن دولة مثل الفلبين ذات تصدير لعمالتها صارت واحدة من أكبر الدول التي تستقبل مليارات الدولارات من تحويلات العاملين بالخارج، والمشكلة عربياً، وحتى في دول الوفرة المادية مثل دول الخليج، والجزائر وليبيا وغيرها، أصبحت تفتقد للتخطيط التربوي والبشري عندما تزايدت أعداد العاطلين ليحل بديلاً عنها العمالة المستوردة والهامشية تحديداً..
أزمة الأجيال الشابة العربية، أنها طاقات مهدرة لبلدان لا تشكو نقص الموارد، وإنما الوضع السياسي الذي عجز عن أن يتطور ويلاحق هموم الشارع والمدرسة والجامعة، ويجعل من الأسرة مفهوم الوحدة الاجتماعية التي عليها ينبني نظام المجتمع وتطوره، ولعل حدوث الفجوات الخطيرة بين طبقتين فقط، الأغنياء والفقراء، وانعدام الطبقة الوسطى التي يتشكل معظمها من الشباب نذير خطر ما لم نفهم أن الحياة لا تعود للوراء..