بعد طول انتظار، أفرج الوفد العراقي المفاوض مسودة "اتفاق وضع القوات الأمريكية في العراق"، وهو مشروع ينظم قانونية التواجد العسكري والمدني الأمريكي بعد انتهاء فترة التفويض الذي منحته الأمم المتحدة للقوات المحتلة داخل العراق نهاية هذا العام.
بداية، يمكن اعتبار هذا الاتفاق بمثابة الاختبار الأبرز للوحدة السياسية لعراق ما بعد الحرب، ومن المؤكد أن التوقيع عليه بهيئته الراهنة سيشعل المواجهة ما بين الأطراف السياسية العراقية، فالحكومة التي تؤيد الاتفاق لها تحفظات فنية على بعض البنود ما زالت عالقة مع الأمريكيين، فيما يسعى الأكراد للضغط على الحكومة لتمريره لأنه يصب في مصلحتهم على المدى البعيد ولا يؤثر على تواجد قواتهم في كركوك وبعض المناطق العراقية، وفي الوقت الذي يصمت فيه المجلس الأعلى -رغم دعمه في الباطن للاتفاق- بانتظار رد الفعل الشعبي عليه وتقرير موقفه العلني بعد ذلك، يقف الصدريون بشكل حاسم ضد المشروع جملة وتفصيلا، ويشترك في ذلك معهم المرجع آية الله علي السيستاني، فيما مجالس الصحوات مستاءة من تحييدها من قبل الأمريكيين واستمرار حملات الحكومة عليها. أما بقية القوى السياسية فمتذبذبة، الحزب الإسلامي يقف في خندق واحد -على الأقل في الوقت الراهن- مع الحكومة، فيما تعارض بقية القوى السنية الاتفاق لأسباب مختلفة بعضها مشروع والبعض الآخر محض معارضة فقط، وتأتي بعد ذلك أصوات ربما توافق ضمنيا وبشكل صامت كزعيم حركة الوفاق الوطني (إياد علاوي) والسياسي المثير للجدل (أحمد الجلبي)، ولكنها تسمح لشركائها في مهاجمة حكومة الرئيس نوري المالكي، وتشبيه الاتفاق كما في كلمة للنائب صالح المطلك ب "عهد الانتداب الجديد".
هل هي بداية لعهد انتداب جديد؟ أم فرصة لتكريس الاستقرار الداخلي؟
سيصاحب توقيع مثل هذا الاتفاق موجة من الهجوم من داخل وخارج العراق، وسيتم وصفه من قبل الغالبية العربية بالانتداب الأمريكي الجديد، بيد أن الحقيقة هو أن العراقيين -في حال وقعوا على الاتفاق- لن يكونوا الوحيدين في المنطقة، إذ إن غالبية الدول العربية لديها اتفاقات مماثلة مع الأمريكيين، وكلها تصنف حسب القانون العسكري الأمريكي باتفاقات (Status of Forces Agreement )، بل إن بعض الدول لديها اتفاقات سرية (Classified) لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها. وبالمناسبة الولايات المتحدة لديها أكثر من 100اتفاقية سارية مع بقية دول العالم، وأغلب تلك الاتفاقات تتضمن بنوداً تتعلق باختصاص الأمريكيين القانوني بما يتعلق بالجنود أثناء الخدمة الميدانية، وبالأمريكيين العاملين لدى الشركات المتعاقدة مع الحكومة. إذا كما ترى، لن يكون العراقيون الوحيدون الذين يقبلون فقبلهم دول أوروبية وآسيوية وعربية لديها ذات التجربة.
إذا، يجب أن يكون لدى العراقيين ثقة في توقيع هكذا اتفاقات دون القلق من ردود الآخرين، والأهم هو أن يوقعوا شيئا لا يضر بسيادة بلدهم على المدى المستقبلي، وأن لا يضحوا بحقوقهم المشروعة، أما قبول اتفاق كهذا لأجل المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق فأمر مبرر إن كان يتضمن جداول زمنية محددة المعالم لخروج القوات الأمريكية من العراق.
الأمر جد معقد، وإنجاز اتفاقيات من هذا النوع لا يقدر عليه إلا فريق فني متخصص من كافة التخصصات القانونية والاقتصادية والسياسية، وحتى تدرك مدى أهمية اتفاق كهذا، فقد طلب الكونغرس الأمريكي من القانوني البارز تشك ماسون تقديم دراسة مختصرة ليقرأها أعضاء المجلسين كي يتمكنوا من تقييم الاتفاقية التي تعتزم إدارة الرئيس بوش توقيعها مع الحكومة العراقية، وهي دراسة متميزة للغاية (نشرت على موقع مكتبة الكونغرس بتاريخ 16يونيو 2008)، وأدعو أعضاء البرلمان العراقي -أو الجهة المشرفة على النشاط الإعلامي فيه- ترجمتها إلى العربية، لكي يتمكن الكثيرون من فهم القواعد القانونية التي تتحكم في صياغة هذه الاتفاقيات. فأحد أبرز الأحكام التشريعية العامة أن المواطن الأمريكي -باستثناء أولئك الخاضعين للمحاكم العسكرية- لا تسقط حقوقه الدستورية في أي دولة في العالم، ومعنى ذلك أنه لا يخضع لأي سلطة دستورية غير الدستور الأمريكي. ولهذا فإن الحماس الذي يبديه المعارضون للاتفاقية غير واقعي، إذ سيكون العراق ملزم إذا ما أراد استمرار التواجد العسكري الأمريكي بما التزمت به بقية دول العالم.
كيف يمكن تقييم الاتفاق المقترح؟
برأيي أن مسودة الاتفاق -حسبما نشرتها جريدة العراق ( 1سبتمبر الماضي) - تعاني من جوانب نقص كبيرة، ورغم اعترافي بأن الفريق العراقي المفاوض أنجز تقدما كبيرا عن ما كنا نقرأه من مسودات سابقة، إلا أنهم لم ينجحوا في الإجابة على الأسئلة المهمة التي تشغل أذهان المراقبين، ولعلي ألخص جوانب القصور بثلاثة نقاط رئيسية:
- أن الاتفاقية قائمة بشكل عام بدون أهداف سياسية واضحة، فهي تنسق العمل ما بين الحكومة والأمريكيين، ولكنها لا تشرح بالضبط ما هي المصالح التي ينبغي إنجازها من وراء الاتفاق. وليس هناك جدول زمني محدد بأهداف، أو أجندة واضحة لما تريد الحكومة العراقية تحقيقه من وراء بقاء هذه القوات الأجنبية. وسيكون من المتعذر إقناع بقية الفرقاء العراقيين باتفاقية تعطي حصانة مبالغاً فيها للأمريكيين دون جدول أعمال (زمني) لتحقيق أهداف محددة.
- أن الاتفاقية لا تعترف بالقوى الموجودة على أرض الواقع بما في ذلك قوات البيشمركة ومقاتلي الصحوات، أو جيش بدر أو جيش المهدي، أو بقية المليشيات والخلايا المسجلة -عدا القاعدة وبقية فلول حزب البعث المستهدفة-. أي أن الطرفين لا يحددان سياسة واضحة لمستقبل هذه القوى. وافتراض عدم وجودها سيكون مصدر إزعاج سياسي كبير وتحدياً لطرفي الاتفاق مستقبلا.
- أما، أهم خطأ وقع فيه معدو الاتفاق، فهو قبولهم بأن يكون الاتفاق لثلاثة أعوام (ينتهي بنهاية عام 2011) دون أن يكون لهم الحق في إلغائه مبكرا في حال ساءت الأمور، بل يتوجب عليهم إخطار الطرف المقابل قبل ذلك بعام. وكان الأجدر بأن يكون الاتفاق سنوياً يتجدد حسب الحاجة العراقية، وأن تكون مدة الإنذار بخروج القوات مدة ستة أشهر. بحيث لو حدثت أزمة أو تعدياً من قبل الجيش الأمريكي وأصبح لها ردة فعل شعبية (عراقية) غاضبة يكون بإمكان الحكومة طرد القوات الأمريكية خلال مدة ستة أشهر، وهو سيناريو قد يحدث قريباً.
هذه بعض الملاحظات العابرة، وأظن أن الأيام القليلة المقبلة ستحمل معها تساؤلات كثيرة، لاسيما حينما تطرح الاتفاقية أمام البرلمان العراقي، وأمام بقية القوى السياسية والدينية والعرقية في البلاد.
وأخيرا، بعض السياسيين العراقيين يعارضون توقيع الحكومة للاتفاق مع إدارة الرئيس بوش، طمعا في تحقيق نتائج أفضل مع الرئيس القادم، ولكن تلك مقاربة خاطئة لسببين: أولا، لأن إدارة الرئيس بوش قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات من أجل تحقيق إنجاز بالوصول إلى اتفاق والخروج من التفويض الأممي مع انتهاء ولايتها. أما الرئيس القادم - أياً كان - فلن يكون ملزماً تجاه العراقيين بشيء، وإذا كان البعض يتمنى فوز أوباما على ماكين لإصرار الأول على الانسحاب المبكر، فإن لدي أخباراً سيئة لهم، فأوباما سيفرضاً شروط أكثر انتقاصاً لسيادة العراق مما تفرضه الإدارة الحالية -ليس هنا مجال شرحها-، وبإمكانك مراجعة خطته للانسحاب وجملة من حواراته التي تتضمن شروطاً قد لا يكون بوسع العراقيين قبولها.