أنت تعيش في عالم حدوده مرسومة وواضحة، الكل فيه يتحدث عن الحدود حتى وإن تجاوزها أو افتعل الحروب ليمسحها أو يغيرها أو يسحقها أو اختلق المشاكل ليتخطاها أو يثنيها أو يكسرها. والكل ينشغل بهذه الحدود سواء أكانت سورا إنسانيا من صنع خيالنا نضعه حولنا لنبعد الآخرين أو نذكرهم بأن لنا خصوصية وأننا لا نتحمل اللقافة أو تدخلات الآخرين في أمورنا الشخصية أو كانت حدودا سياسية خلفها الاستعمار أو نسجتها الدول لتعلن سيادتها.
ولعل كلمة "الحدود" ومشتقاتها قد تكون من المفردات الاستفزازية خاصة حين نضعها في ميزان مع كلمات أخرى مثل "الحرية" حين تنجح هذه الأخيرة في استقطاب اهتمامنا وننشغل بها كثيرا ونحن نحاول تفسيرها أو تقنينها أو وضعها في مكانها المناسب.
حين تكون الكلمة والفكرة هي الهاجس وهي موضوع النقاش، فإن مفهوم "الحرية" بمداره الواسع يأخذ حيزا أكبر من مفهوم "الحدود"، حيث تشكل الكلمة بكل أوجهها حين تكتب شعرا أو رواية أو كتابا أو مقالا جزءاً من عالم بلاحدود أو هكذا نحب أن نظن. الهروب لعالم الكتابة يعني الهروب إلى عالم أنت المتحكم فيه أنت الذي تخلق حدوده خاصة حين ترسم الشخصية أو تنسج الفكرة بعيدا عن كل قيود الواقع الذي يحيط بك والذي تعيشه كل يوم، فحين تنسج قصة بكل شخصياتها وأحداثها فإنك تتحدث عن عالم خيالي مكانه دروب عقلك وهذا العالم لا حدود له. وحين تخرج الفكرة خجلى داخل خلايا عقلك فإنها تكون فكرة جامحة جريئة. وأنت في أحيان كثيرة قد تنشغل بوضع الحدود لخيالك وتنشغل بتهذيب الفكرة وإعادة تشكيلها واضعا في ذهنك صورة المتلقي وحكمه عليك.
قرأت مرة عبارة تصف الكاتب المبتدئ بأنه يملك السذاجة التي تجعله ينسى الحدود وبالتالي يكون لما يكتبه طعم مختلف عن الكاتب المتمرس الذي علمته التجربة الكثير. وقرأت مرة أن الكتابة هي وسيلة للهروب من قيود الواقع و خيباته.
وبين سذاجة الخيال وخبرة الواقع تخرج الفكرة وتصلنا، قد ننبهر عندما تؤثر فينا وقد تمر مرور الكرام قد تستفزنا لنفكر أكثر وقد تجعلنا نتثاءب باحثين عن ما يسلينا أو يحركنا أو يشغلنا.