كشفت أمريكا عن شبكة عريضة لجامعات وهمية تزيّف شهادات عليا، ومتوسطة وجامعية كانت حصّة المملكة منها تسعة وستين شخصاً، والمأساة ليست في وجود هذه الحالة، وإنما كيف لطبيب مزيف أن لا يكون قاتلاً بعمليات أو أدوية، أو وصفات خاطئة تنقل مرضاه إلى المقابر، ومثله مهندس لا يعرف حسابات الأوزان والأبعاد وركائز العمارة وسقوفها وفضائها العام أن لا يؤدي بأي مشروع إلى كارثة، وفي المقابل الصيادلة، وأصحاب المختبرات والمدرسون ممن يجدون في طلبتهم الأوائل المعلمين الاحتياطيين فرصة النقل من مذكّراتهم أو الاستفادة من علومهم، وقس على ذلك كل اختصاص في الكهرباء، وعلوم الأرض والبحار والفلك والفيزياء وغيرها..
في الدول ذات التقاليد الراسخة لا تقيم وزناً للشهادة، وحتى الجامعة، بل للاختبارات لكل قادم إليها من الخارج من خلال لجان فحص وتقويم، وإسرائيل الاستثناء في المنطقة التي تقوم بهذا الدور، وإذا كانت أمريكا الدولة المصدّرة لهذه الشهادات وهي التي تقود العالم لمنجزات العصر، وحداثته، وأنها جزء من ضحايا تلك الشبكات الوهمية، فكيف نثق بآلاف، إن لم يكن الملايين ممن قدموا إلينا بمختلف الاختصاصات من بلدان العالم الثالث وما فوقه، وهي البيئة الصالحة لتزييف كل شيء عندما وصلت عمالتهم وشغلوا وظائف دقيقة وحساسة، وحتى الأجانب المعارين إلينا من أمريكا مثلاً وهم يحملون تلك المؤهلات واحتلوا مراكز خطيرة في مستشفياتنا وشركاتنا الكبرى، ودور البحث والجامعات، وكل ما يتعلق بالاختصاصات النادرة التي نفتقد إليها، ولم نعرف كيف نفحصها أو نقوّمها ألا يكون هؤلاء جزئياً أوكلياً من نفس الفصيل الخطِر؟
هذا الخطر الداهم يضعنا أمام شكوك عريضة تطال حتى بعض المواطنين والذين نرى أن شهاداتهم لا تتكافأ مع تأهيلهم عندما نصل في الحوار معهم إلى المستويات المتدنية حتى في العلوم النظرية مثل الآداب وعلوم الاجتماع والجغرافيا وغيرها..
وحتى لا نعمم الشكوك، ويذهب المجتهدون كضحايا نريد أن نعرّف هذه الشهادات ومن يحملونها ممن لم يبذلوا أي جهد في التحصيل الدراسي والعلمي، ليعادوا إلينا فصيلاً جاهلاً وعالة على المجتمع، ولعل دوائر الاختصاص في وزارات التربية والتعليم، التعليم العالي، وزارة الخارجية من خلال سفرائها، ووزارة العمل وغيرها، هي القطاعات المسؤولة عن لوائح الجامعات والمعاهد المعتمدة عالمياً، وحتى مع افتراض أن زُيفت الشهادات وخُتمت، وأعطيت أسماء أساتذة ومديرين وهميين، فجانب الفحص الدقيق من قبل لجان متخصصة وموثوقة، جزء من كشف أي سرّ، حتى لو حمل اسم تلك الجامعات العريقة لأنه من غير المعقول أن نكافح تزييف العملات والأختام والبضائع ولا نضع قائمة لأصحاب الشهادات الوهمية وكشفها للرأي العام إذا كان خطرها مساوياً لوظيفتها ودورها في المجتمع إن كان متعلقاً بصحته، أو تعليمه، أو مناصبه الخاصة..
مكافحة الغش أصبحت عملية معقدة، ولعل أمريكا التي أحالت الخريجين ومن منحهم تلك الإجازات العلمية، أو النظرية، إلى المحاكم وكشفت الأسماء والشهادات وسنوات التخرج في صحافتها وعلى مواقعها، يوجب علينا أن نلزم أنفسنا بنفس الاتجاه لنقوم بنفس الدور حماية لنا ولمواطنينا..