يستثمر عدد من الناس فصل الصيف لأخذ إجازتهم السنوية والابتعاد عن العمل مع التخفيف من الارتباطات الاجتماعية المرهقة. ويُعدّ فصل الصيف عند كثير من الشعوب أنسب الأوقات للراحة بسبب ازدياد حرارة الجو التي تبعث الخمول على الجسد وتقلل من عطاء الفرد العادي مقارنة بحاله في الفصول الأخرى.
ويُنصح الموظفون والمشتغلون بأعمال ذهنية بضرورة أخذ إجازة أطول من غيرهم من العاملين بوظائف تعتمد على الجهد الجسدي أكثر من اعتمادها على الجهد العقلي. والإجازة ضرورية في كل الحالات لصحة الفرد ولمصلحة العمل، لأنها تجعل الشخص يستعيد حيويته التي أرهقت بالعمل طوال العام ويسترد طاقته من جديد فيبدأ العام بروح عالية وعقل يقظ.
وبالنسبة لنا في السعودية، فهناك من يقضي إجازاته في المصائف المحلية أو في البلاد المجاورة، وهناك من يقضي إجازته في بلاد أوروبا وأمريكا التي تسمى بلاد الرفاهية بسبب جوها وطبيعتها ونمط الحياة فيها؛ وهناك عدد لابأس به ممن يبقون في أماكنهم صيفًا وشتاء لعدم استطاعتهم تحمّل نفقات السفر والإقامة ومتطلبات السياحة. وهذا الصنف يمثل الأغلبية ممن يعيشون حياة مستورة، وبالكاد ينفقون على أسرهم وذويهم وليس للسياحة والرفاهية الخارجية مساحة في حياتهم.
وليس هناك قيمة أخلاقية يمكن إضافتها لمن يقضي إجازته في الخارج مقارنة بمن يبقى في بلده، لأن الأمر يتعلق بمدى توفر الموارد المالية للشخص من عدمها. ولكن هناك عدد قليل ممن يسافرون للخارج يحرصون على التذكير بأنهم في المكان الفلاني وبجوار تلك البحيرة الفريدة أو ذاك النهر الجميل. وهذه الإشارة التي يضمّنها بعضهم في كتاباته قد تحمل مايوحي بالفوقية على غيرهم. فقد نشر أحد السعوديين قبل عدة أيام مقالة ذيلها باسمه واسم البلد الأوربي الذي يقيم فيه، فما كان من بعض القراء إلا استنكار ذلك لشعورهم بأنه لايوجد أي مبرر منطقي لذكر اسم البلد وخاصة أن المقالة لا علاقة لها بالمكان، فقال أحدهم في رده: "نحن لا نحسدك أن تقضي الصيف في ربوع جنيف أو بجوار بحيراتها وتحت غيومها الجميلة ونبقى نحن تحت لظى الحر وشح المياه وانقطاع الكهرباء؛ لكن لا تشمت بنا وتستعلي علينا من خلال ذكرك بلاد الرفاهية دون سبب يدعو لذلك" .
وربما لم يكن في بال الكاتب أنه يشمت بمن لم يسافر إلى بلاد الرفاهية والبذخ، ولكن استجابة المتلقي السابقة جديرة بأن تؤخذ بعين الاعتبار. فقد يكون ذكر البلد ضروريًا إذا كان البلد هو موضع الحديث، أو كانت هناك تجربة معينة تستحق الذكر، أما مجرد ذكر اسم البلد الأوروبي في ذيل المقالة على غير العادة حينما تكتب المقالة من داخل البلد، فذلك مدعاة للسخرية.
ولعل السائحين في بلاد الله الواسعة وخاصة من تسمح ظروفهم المالية بأخذ جرعات من النسيم العليل في بلاد الرفاهية أن يجودوا على بقية أفراد الشعب بالرأفة بمشاعر من لايملك ما يملكون من المال ولكنه يملك مثلهم كرامة وعزة وحبًا للفضيلة والحق والجمال.